أوضح الرئيس المنتخب بايدن عدة مرات نيته تبني سياسة معاكسة لعدم مبالاة ترامب - إن لم يكن دعمه الصريح - لانتهاك القيم الديمقراطية من قبل حلفاء الولايات المتحدة. ففي خلال حملة الانتخابات الرئاسية كتب بايدن على تويتر: "لا شيكات على بياض بعد الآن لديكتاتور ترامب المفضل" في إشارة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. كما أكد مرشحه لمنصب وزير الخارجية أنتوني بلينكِن هذا الموقف عندما قُبِض على مجموعة من مدافعي حقوق الانسان المصريين في نوفمبر/تشرين الثاني.

ويشكل هذا الموقف جزءًا من سياسة أوسع ترمي إلى "وضع القيم والديمقراطية في قلب السياسة الخارجية" على حد قول جَيك سوليفان مرشح بايدن لتولي منصب مستشار الأمن القومي. وهو أيضًا ما يتفق مع تعهد بايدن بإقامة تحالف عالمي للديمقراطية بهدف وقف الانزلاق نحو السلطوية، وهو موضوع مؤتمر قمّة تعهد بايدن بالدعوة إليها خلال العام الأول من حكمه.

ولكن السؤال هو التالي: ما مقدار الضغط الذي يستطيع الرئيس بايدن ممارسته على حلفائه العرب، وهم حكام سلطويون لكن لا غنى عنهم لنجاح أهدافه في الشرق الأوسط؟

والإجابة هي: ليس الكثير. فسيواجه بايدن شرق أوسط يعاني من استقطاب أشد مما كان الوضع عليه في عام 2016، مع حلفاء مصممين على انتهاج سياستهم الخاصة. وأي تغيير في سياسة الولايات المتحدة – سواء فيما يتعلق بالسياسة التوسعية النووية والإقليمية لإيران أو الحروب الأهلية العربية أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي – سيواجه مقاومةً صلبةً من قبل هؤلاء الحلفاء: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وتركيا ومصر.

ونتيجة أولوية هذه الموضوعات للقادة العرب وتقلص شهية واشنطن للتورط في الشرق الأوسط، فإنّ اختيارات بايدن ستكون أكثر صعوبة من اختيارات سابقيه. في هذا السياق، من المستبعد أن يضيع موارده المحدودة في إجبار هؤلاء القادة على احترام القيم الديمقراطية، خاصة في ضوء النتائج الهزيلة لسياسة "دعم الديمقراطية" التي تبناها كل من جورج بوش وباراك أوباما. فبعد قرابة عقدين من اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول وعقد من تظاهرات "الربيع العربي"، أصبح الاعتقاد السائد أنّ الديمقراطية العربية لن تنطلق من واشنطن، هذا إن انطلقت من الأساس.

ليس معنى هذا أنّ بايدن لن يفعل شيئًا إزاء انتهاكات حلفائه للقيم الديمقراطية. فمن المؤكد أنه سيدين هذه الانتهاكات ويدعو لاحترام القيم الديمقراطية ويبقي على مسافة من مرتكبي الانتهاكات الأكثر سوءًا. كما يمكن أيضًا أن يصر، مع التهديد بفرض عقوبات جزئية، على اتخاذ حلفائه إجراءات محددة وواضحة كي يبين الفارق بين موقفه وبين تواطؤ ترامب. وهناك العديد من الممارسات القبيحة التي تصلح هدفًا لهذه الإجراءات؛ في مصر، إطلاق سراح معتقلين سياسيين والحد من الاحتجاز التعسفي؛ وفي السعودية، إطلاق سراح المدافعات عن حقوق المرأة ووقف اغتيال المعارضين؛ وفي الإمارات، إلغاء نظام الكفالة الذي يستغل العمال الأجانب.

هذه الإجراءات، رغم محدوديتها، ستحسن حياة الآلاف في العالم العربي بشكل كبير. لكنها تظل بعيدة عن تغيير حالة حقوق الانسان بدرجة ذات معنى، ناهيك عن دفعها المنطقة نحو الديمقراطية. وإن كان هذا هو كل ما ينوي بايدن فعله فإنه سيحول الولايات المتحدة إلى قوة خطابية – لا قائدة الديمقراطية التي تتظاهر بكونها.

لكن الرئيس القادم ليس مضطرًا للاختيار بين إهدار موارده المحدودة على ضغوط عقيمة وبين الاكتفاء بالإدانات الخطابية والمكاسب المحدودة. فهناك خيار ثالث.

معظم حلفاء الولايات المتحدة العرب دول هشة، يبدو عليها الاستقرار لكنها تميل للسقوط تحت الضغط، كما حدث في اليمن وليبيا. هذه الهشاشة تعيق فرص التحول للديمقراطية؛ فحتى حينما يُخضَع الحكام، تتوقف المؤسسات العامة عن العمل بدون نظام المحسوبية السلطوي الذي تقوم عليه. إعادة بناء هذه المؤسسات يشكل إذًا شرطًا مصاحبًا لأي تحول ناجح للديمقراطية، إن لم يكن شرطًا مسبقًا له. ورغم أنّ هشاشة الدولة هذه تمنح المستبدين العرب ذريعةً لحكمهم السلطوي، إلا أنها أيضًا تحكم بالفشل على محاولاتهم تحديث اقتصاداتهم ودمج بلدانهم في النظام العالمي.

وهذا يعطي الرئيس الأمريكي فرصةً لاجتذاب هؤلاء الحكام إلى شراكة اختيارية تفتح الطريق أمامهم للانضمام لاحقًا للتحالف العالمي للديمقراطية. شراكة تساعد من يرغب من الدول العربية على تبني إصلاحات آمنة وتدريجية وعميقة لنظم حكمها بحيث تضع أسسًا صلبةً للتحول إلى الديمقراطية بعد ذلك، مصحوبة بمساندة أمريكية قوية.

مثل هذه الشراكة تشكل اختيارًا، لا سياسة وهمية تستهدف "دعم الديمقراطية" بالإكراه، يواجهها المستبدون العرب بإجراءات شكلية يمكنهم التراجع عنها لاحقًا بهدف تشتيت الضغوط الخارجية واجتذاب التمويل الأجنبي. وفي حين أنّ الحكام العرب الأكثر استبدادًا سيعرضون عن هذه الشراكة، فإنّ آخرين قد يرون الفرصة التي تمثلها ويكون لديهم ما يكفي من الثقة والشعور بالأمان لاغتنامها. بمعنى آخر، هذه الشراكة موجهة لهؤلاء الذين يسعون لتحويل بلادهم إلى مثيلات لكوريا الجنوبية لا الشمالية. وعلاقة تحالف ذي مستوى رفيع مع الولايات المتحدة، وارتباط بالتحالف العالمي للديمقراطية، سيعطي هذه الدول دعمًا أمنيًا وسياسيًا وتقنيًا واقتصاديًا تحتاجه بشدة كي تستطيع مواجهة تحديات رحلة التحول الصعبة هذه.

ولا يعني ذلك بالضرورة ضخ موارد جديدة في الشرق الأوسط. فتصميم هذه الشراكة يحتاج إلى مهارة وإبداع – وهي أشياء لا تنقص فريق بايدن – أكثر مما يحتاج من موارد القوة الخشنة.

وبالطبع لا يمكن تصور حدوث أي من هذا إن كانت الإدارة الجديدة لا ترى فائدة أو إمكانية استعادة القيادة الأمريكية للنظام العالمي، أو كانت – مثلما كان الحال مع الرئيس أوباما – لا ترى دورًا للشرق الأوسط في النظام العالمي البازغ. إن كان هذا أو ذاك هو الحال، فليس أمام الإدارة الجديدة من خيار سوى سياسة التمسك الخطابي بمبادئ وقيم الديمقراطية من دون تحقيق أي منها.