The Washington PostDemocracy Dies in Darkness

Opinion جمهورية الخوف المصرية تحتجز آلاف السجناء السياسيين. هذه الوحشية نتائجها عكسية

A woman holds a placard as she protests against Egyptian President Abdel Fatah al-Sissi in Paris on Dec. 8, 2020. (Michel Euler/AP)
Placeholder while article actions load

نشر الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ روايةً غير مشهورة في عام 1974 بعنوان "الكرنك"، وهو مقهى يلتقي فيه مجموعة من الطلاب ويتناقشون في السياسة ويتحابون ويتخاصمون في مصر الستينيات. انخراطهم في السياسة ليس لسبب أيديولوجي بقدر ما هو مدفوع برغبة عامة لتحسين أحوال البلاد. وبالرغم من ذلك يقعون في براثن أمن الدولة؛ يتعرضون للاعتقال بتهمة التآمر مع الإخوان المسلمين ويعذَّبون ثم يُطلَق سراحهم مع اعتذار واهٍ. على الرغم من تجنبهم للمقهى والسياسة برمتها فإنهم يُعتقَلون مرتين أخرتين ويُتّهَمون بالتخريب ويتعرضون للاغتصاب والتعذيب. يموت أحدهم تحت التعذيب في حين يعيش الناجون محطمين.

Read this piece in English.

في الرواية يبرر المسؤول الأمني للرئيس جمال عبد الناصر هذه الوحشية بالإشارة إلى التهديدات الداخلية والخارجية التي تستهدف مسيرة مصر نحو التقدم. لكن القمع لم يحمِ مصر أو النظام: فعندما ألحقت إسرائيل هزيمةً ساحقةً بالجيش المصري عام 1967، كانت السجون مليئة بالمعتقلين السياسيين. وعلى الرغم من حبس الإخوان المسلمين إلا أنّ جيلًا جديدًا من الإسلاميين كان يظهر في الجامعات - أولئك الذين شكلوا لاحقًا تنظيمات مثل الجهاد الإسلامي وبعدها القاعدة.

نشأ جيل ما بعد عبد الناصر – وهو الجيل الذي أنتمي إليه – وهو يتساءل كيف يمكن لعبد الناصر وأنصاره التقدميين أن يقمعوا المصريين بهذا القدر، أن يحولوا مصر الى جمهورية من الخوف يحني فيها المواطنين رؤوسهم طول الوقت ولا يرفعون أصواتهم أبدًا. كيف ظنوا أنّ بوسع المجتمع التقدم في حين تتعرض قطاعات كاملة منه - عادةً الأكثر ذكاءً وإبداعًا واستقلاليةً – للسجن والتحطيم؟

لقد استغرق الأمر 40 عامًا حتى ظهر جيل جديد يتمسك بحقوقه -- في ميدان التحرير عام 2011. لكن العسكريين المصريين لم يتركوهم. واليوم يقدر عدد السجناء السياسيين المحتجزين في جمهورية الخوف العسكرية بنحو 60 ألف سجين.

ينفي الرئيس عبد الفتاح السيسي أن نظامه يحتجز أي سجناء سياسيين. لكن منظمات حقوق الإنسان وصلت إلى هذا التقدير بناءً على تصريحات حكومية بشأن الاعتقالات وأحكام السجن على مدى السنوات الثمان الماضية. وبحسب أحد أبواق وزارة الداخلية، يبلغ إجمالي عدد السجناء في مصر 114 ألف سجين. وهذا يعني أن السجناء السياسيين يشكلون أكثر من نصف عدد السجناء في مصر - وهي نسبة مذهلة.

والأمر الأكثر إثارةً للصدمة هو عدد المحتجزين على ذمة المحاكمة: 30 ألفًا بحسب المصدر نفسه. وسعت السلطات المصرية استغلال الحبس الاحتياطي وأساءت استخدامه من أجل احتجاز من لا تستطيع إدانته لسنوات. وفي الحالات النادرة التي تأمر فيها المحاكم بالإفراج عن السجناء، تحتجزهم الشرطة على الفور مرةً أخرى بتهم جديدة فيما أصبح يعرف بسياسة "الباب الدوار".

إسراء عبد الفتاح كانت إحدى القيادات الشابة الذين أدى نشاطهم إلى انتفاضة التحرير. كانت قد اعتُقِلَت عدة مرات منذ عام 2008، ولكن مع إنهاء الجيش التحول الديمقراطي - ومنع إسراء من السفر - قررت الانسحاب من العمل العام والتركيز على عملها كصحفية. ومثل بطلة "الكرنك"، لم يحمها هذا الانسحاب. فاعتُقِلَت في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2019 وتعرضت للضرب والإساءة وتُرِكت قابعة في السجن منذ ذلك الحين.

حسام مؤنس زعيم شاب عملي انخرط في السياسة من منطلق التزامه تجاه الفقراء. وعندما كان الفضاء السياسي يتعرض للتضييق بعد تدخل الجيش عام 2013، أدار مؤنس حملة حمدين صباحي الرئاسية ضد السيسي - ليس من أجل الفوز ولكن للدفاع عن التعددية السياسية. وفي عام 2019، انضم إلى النائب السابق زياد العليمي وآخرين للترشح للبرلمان، فاعتُقِلوا جميعًا في 25 حزيران/يونيو 2019، ويقبعون في السجن منذ ذلك الحين.

سلافة مجدي وزوجها حسام الصياد صحافيان بنيا مسيرتهما على أساس صحافة المواطن والتقارير المستقلة ونالا تقديرًا دوليًا عن عملهما الصحفي. اعتُقل الاثنان في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وتعرضا لانتهاكات متكررة وسوء معاملة. والآن يعيش ابنهما البالغ من العمر 7 سنوات مع جديه، يسجل مقاطع فيديو لوالديه السجينين.

القائمة تطول - 60 ألف اسم يمثلون أطياف المجتمع كافة، من الإسلاميين إلى الشيوعيين. وإلى جانب الذين يقبعون في الحبس الاحتياطي – وهم نصف هذا العدد – فقد أُدين آلاف آخرون بتهم ملفقة مثل "نشر أخبار كاذبة" أو "إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي"، بينما يُتهم المعارضون السياسيون دوريًا بمساعدة الإخوان المسلمين الذين صُنِّفوا كمنظمة إرهابية. هؤلاء الناس لا يشكلون تهديدًا للدولة. إبقائهم في السجن هو مجرد قسوة بلا مبرر سياسي أو أمني.

فكِّروا في شعورهم بالظلم والعجز في مواجهة قوة الدولة الساحقة. فكِّروا في الأيام والليالي الطويلة التي يقضونها في السجون المصرية، إما في زنازين مكتظة أو في الحبس الانفرادي. فكِّروا في القوة الذاتية التي يحاولون استجماعها من أجل الحفاظ على اتزانهم النفسي والعقلي، وفي شعورهم باليأس وهم يفشلون.

السجن يدمر البشر. والسجن الظالم أسوأ من ذلك بكثير. لا يمكن لمصر أبدًا أن تتقدم للأمام وعشرات الآلاف من المصريين محطمين والبقية يعيشون في خوف.

كان على نجيب محفوظ انتظار موت عبد الناصر كي يكتب روايته. كان على مصر انتظار موت عبد الناصر حتى تدرك التأثير المدمر لأعماله القمعية. لكننا لا نحتاج للانتظار. نحن نعلم ما يحدث في السجون المصرية، ونعلم الآثار المدمرة لذلك على مستقبل مصر. فلماذا نسمح لهذا الأمر أن يستمر؟

إن كان الخوف والسلطة يعميان القادة العسكريين في مصر، فإن رؤية من يدعمونهم يجب أن تكون أوضح. هل من المبالغة أن ننتظر من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والإمارات العربية المتحدة – الدول التي تزود العسكريين المصريين بالمال والسلاح والدعم السياسي – أن تقدم لهم أيضا بعض النصيحة؟

Loading...