President Trump shakes hands with now-Crown Prince Mohammed bin Salman in March at the White House in Washington. (Evan Vucci/Associated Press)

جمال خاشقجي هو كاتب وصحفي سعودي

عندما أتكلم عن الخوف والترهيب والاعتقالات والتخويف العلني للمثقفين ورجال الدين الذين يتجرأون على المجاهرة بآرائهم، ثم أقول إنني من المملكة العربية السعودية، فهل ستتفاجؤون كثيرًا؟

ومع صعود ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان إلى السلطة، فقد وعد بإدخال إصلاحات اجتماعية واقتصادية. وتحدث عن جعل بلادنا أكثر انفتاحًا وتسامحًا، ووعد بمعالجة الأمور التي تعرقل تقدمنا، مثل حظر قيادة السيارة على المرأة.

ولكن كل ما أراه حاليًا هو الموجة الأخيرة من الاعتقالات. فقد أفادت التقارير الأسبوع الماضي بأنّ السلطات اعتقلت حوالي ٣٠ شخصًا، وذلك قبيل صعود ولي العهد إلى العرش. بعض المعتقلين هم أصدقاء مقربون لي، وهذه الخطوة تصب في خانة تشويه سمعة المثقفين وعلماء الدين الذين تجرأوا على التعبير عن آراء تتعارض مع آراء قيادة بلادي. فقد بدا المشهد مأساويًا للغاية، إذ اقتحم رجال أمن ملثمون المنازل مجهزين بالكاميرات، يصورون كل شيء ويصادرون الأوراق والكتب وأجهزة الكمبيوتر. وقد اتُّهِم هؤلاء بتلقي أموال قطرية وبأنّهم جزء من مؤامرة كبيرة مدعومة من قطر. فيما قد يواجه الذين هم في المنفى الاختياري الاعتقال لدى عودتهم إلى بلادهم، وأنا منهم.

أتألم عندما أتحدث مع أصدقاء سعوديين آخرين في إسطنبول ولندن هم أيضًا في المنفى الاختياري. ثمة سبعة على الأقل منّا-فهل سنكوِّن نواة الشتات السعودي؟ نمضي ساعات طويلة على الهاتف نحاول خلالها إدراك سبب هذه الموجة من الاعتقالات التي شملت صديقي ورجل الأعمال والشخصية الوقورة على تويتر عصام الزامل. كان ذلك يوم الثلاثاء الماضي لدى عودته من الولايات المتحدة بعد أن شارك في وفد سعودي رسمي. هكذا بسرعة مذهلة يمكنك أن تسقط من لائحة المقربين في المملكة العربية السعودية. إن ذلك صادم، لكنه لم يكن بالأمر المألوف في بلادي.

في عام ٢٠٠٣ ومرة أخرى في عام ٢٠١٠، طُرِدتُ من عملي كرئيس تحرير صحيفة الوطن “التقدمية”. وعملتُ في الفترة الممتدة بين هاتين السنتين كمستشار صحفي للأمير تركي الفيصل، السفير السعودي لدى المملكة المتحدة وبعدها لدى الولايات المتحدة. ربما يبدو الأمر غريبًا أن تعمل مع الحكومة في الخارج بعد أن كانت سببًا في طردك من عملك. ولكن هذا هو التناقض السعودي بحق. فالمملكة، بالمطلق، تحاول تهدئة وجهات النظر المتعارضة للإصلاحيين الليبراليين ورجال الدين المحافظين. والاعتقالات تدور في هذا الإطار.

لماذا ينتشر هذا المناخ من الخوف والترهيب، فيما يعدُ زعيم شاب يتمتع بكاريزما بالإصلاحات التي طال انتظارها لتحفيز النمو الاقتصادي وتنويع اقتصادنا؟ يحظى محمد بن سلمان بالشعبية، وقد دعم خطته الإصلاحية معظم هؤلاء الثلاثين من رجال الدين والكتاب ونجوم وسائل الإعلام الاجتماعي الذين اعتُقِلوا تحت جنح الظلام.

في الأشهر الأخيرة، اتخذت المملكة العربية السعودية سلسلة من السياسات الجديدة والمتشددة بدءًا بالمعارضة الكاملة للإسلاميين، وصولًا إلى تشجيع المواطنين على اقتراح أسماء لإضافتها إلى قائمة الحكومة السوداء. وكان أسماء المعتقلين مدرجة في تلك القائمة. فقد طالب كتّاب الرأي المقربين من القيادة السعودية مرارًا “بإجتثاث” الإسلاميين. وليس سرًا أن ولي العهد يحتقر الإخوان المسلمين، بل هو تناقض غريب في الواقع أن يتم تحديد شخص على إنه ناشط في جماعة الإخوان المسلمين. لطالما اعتبرتُ انتقاد مسؤول سعودي للإسلاميين مدعاة للسخرية خصوصًا وأنّ المملكة هي أم الإسلام السياسي، وحتى إنّها تصف نفسها بأنّها الدولة الإسلامية التي تطبق الشرائع بحذافيرها. (تجنبنا استعمال مصطلح “الدستور” بسبب معناه العلماني؛ وغالبًا نقول أن القرآن هو دستورنا.)

وبغض النظر عمّن يُستهدَف، إلّا أنّ هذا ليس ما تحتاجه المملكة في الوقت الحالي. إنّنا نمرّ بتحول اقتصادي كبير يدعمه الشعب، وهو تحوّل نحتاجه لنتحرر من الاعتماد الكلي على النفط، ونستعيد ثقافة العمل والإنتاج.

إنه مسار شاق جدًا. ويمكن لمحمد بن سلمان أن يصل إلى هدفه بشكل أفضل من خلال تشجيع الآراء البنّاءة والمتنوعة من شخصيات معروفة مثل عصام واقتصاديين ورجال دين ومثقفين ورجال أعمال آخرين الذين بدلًا من ذلك فقد أُزيلوا جميعهم خلال هذه الاعتقالات.

نحن الذين نعيش في الخارج نشعر بالعجز. نريد أن تزدهر بلادنا وأن تتحقق رؤية ٢٠٣٠. نحن لا نعارض حكومتنا، نحن نحب المملكة العربية السعودية كثيرًا. إنّها وطننا الوحيد الذي نعرفه أو نريده. ومع ذلك، فنحن نُعتبَر أعداءً. فبضغوط من حكومتي، ألغى ناشر عمودي في صحيفة “الحياة”، إحدى أكثر الصحف العربية قراءة وأوسعها انتشارًا. وعمدت الحكومة إلى حظري من استعمال تويتر عندما حذرتُ من احتضان مفرط للرئيس المنتخب ترامب. لذلك أمضيت ستة أشهر في صمت، أفكر بحالة بلادي وبالخيارات القاسية أمامي.

لقد تألمتُ كثيرًا منذ عدة سنوات عندما اعتُقِل العديد من أصدقائي. لم أقل شيئًا. لم أكن أريد أن أفقد وظيفتي أو حريتي. كنت قلقًا على عائلتي.

هذه المرة، اتخذت خيارًا مختلفًا. لقد تركتُ بيتي وعائلتي ووظيفتي ورفعتُ صوتي. ولو فعلتُ خلاف ذلك، فهذا يعني أنني أخون أولئك الذين يقبعون في السجن. أنا أستطيع أن أرفع صوتي عندما لا يستطيع الكثيرون ذلك.

أريد أن تعرفوا أن هذا لم يكن حال السعودية على الدوام. نحن السعوديون نستحق ما هو أفضل.