FILE – This Nov. 30, 2014 image made from video released by Loujain al-Hathloul, shows her driving towards the United Arab Emirates – Saudi Arabia border before her arrest on Dec. 1, 2014, in Saudi Arabia. Among those detained since Tuesday, May 15, 2018 is Loujain al-Hathloul, who was previously arrested in late 2014 for more than 70 days for criticizing the government online and pushing for the right to drive. (AP Photo/Loujain al-Hathloul, File)

جمال خاشقجي

كاتب ومؤلف سعودي مقيم بواشنطن

إنه لأمر مروع حقا أن نرى أن رموز الإصلاح البالغين من العمر 60 و70 عاما يوصفون بأنهم “خونة” على الصفحات الأولى من الصحف السعودية. النساء والرجال الذين دافعوا عن نفس الحريات الاجتماعية – بما في ذلك قيادة المرأة للسيارة – والتي دفع بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مؤخرا، تم توقيفهم في السعودية الأسبوع الماضي. هذه الحملة صدمت حتى أكثر المدافعين حماسة عن الحكومة.

تسلط الاعتقالات الضوء على المأزق الذي يواجه جميع السعوديين. نحن مطالبون بالتخلي عن أي أمل في الحرية السياسية، والسكوت عن الاعتقالات وحظر السفر الذي لا يؤثر فقط على المنتقدين بل أيضًا على عائلاتهم. يتوقعون منا ان نشجع الإصلاحات الاجتماعية بقوة، ونثني بشكل كبير على الأمير محمد بن سلمان مع تجنب أي إشارة إلى السعوديين الرائدين الذين تجرأوا على معالجة هذه القضايا منذ عقود.

اعتقالات الأسبوع الماضي كانت غير ضرورية على الإطلاق. انها سعي لاحتكار الخطاب والرأي، الرسالة واضحة للجميع: يجب ان يكون أي نشاط تحت جناح الحكومة، ولن يُسمح بأي صوت مستقل أو رأي مضاد. يجب على الجميع الالتزام ب ” موقف الحزب.

أليست هناك طريقة أخرى امامنا كسعوديين؟ هل يجب أن نختار بين دور السينما وبين حقوقنا كمواطنين للتعبير، سواء في دعم أو انتقاد أعمال حكومتنا؟ هل نعبّر فقط عن إشارات رنانة لقرارات “زعيمنا” ورؤيته لمستقبلنا، في مقابل الحق في العيش والسفر بحرية – لنا ولأفراد عائلاتنا أيضاً؟ لقد قيل لي إن عليّ أن أكون ممتنا وأقبل بالإصلاحات الاجتماعية التي دعوت إليها منذ فترة طويلة، في موازاة التزام الصمت حيال مسائل أخرى – بدءا من المستنقع اليمني، والإصلاحات الاقتصادية المستعجلة، وحصار قطر، والتفكير بالتحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران، واعتقالات الصيف الماضي التي طالت عشرات المثقفين وعلماء الدين السعوديين.

هذا هو الخيار الذي استيقظ عليه كل صباح منذ يونيو الماضي، عندما غادرت السعودية للمرة الأخيرة بعد أن أسكتتني الحكومة لمدة ستة أشهر.

أتساءل عما إذا كانت لجين الهذلول مثلي، وهي واحدة من أشهر الناشطات السعوديات اللواتي اعتقلن الأسبوع الماضي، تتصارع مع هذه المعضلات. أو إذا كان محاميها، إبراهيم المديميغ، كان يقلب هذه الاختيارات في داخله أيضًا. لقد اتهمهما أمن الدولة مع سواهما بالتورط في “علم منظم للتجاوز على الثوابت الدينية والوطنية؛ والتواصل المشبوه مع جهات خارجية فيما يدعم أنشطتهم وتجنيد أشخاص يعملون بمواقع حكومية حساسة”. باختصار، على الرغم من أنها امتثلت لأمر الحكومة بالتزام الصمت بشأن عملها في دعم مطلب حق النساء بقيادة السيارات، وقبل بنسب فضل رفع الحظر عن قيادة السيدات لولي العهد وحده، إلا أنها مع زملائها يعاقبون على التحدث مع وسائل الإعلام الأجنبية المكلفة بتغطية رفع الحظر الشهر المقبل والتغييرات الاجتماعية الأخرى في المملكة.

ن الاتصال بوسائل الإعلام والسفارات الأجنبية ليس امرا غير عادي. عندما كنت أعيش في السعودية واعمل كصحفي، كان ذلك يشكل حالة منتظمة؛ وحاليا يحدث بشكل أكبر نظرا إلى وتيرة الإصلاحات التي تروّج لها الحكومة. ومع ذلك، وعلى عكس ما كان يحصل قبل عامين أو ثلاثة أعوام، فإن أي اتصال مع جهة أجنبية بعيدا عن الخطاب الرسمي يعتبر خيانة. نعم، خيانة. هذه هي الكلمة التي استخدمت للتشهير علنا ​​بأولئك المعتقلين.

لم أشهد قط مثل هذا الرد المغالي في المعاقبة على شيء غير ضار كالحديث ببساطة مع الصحفيين والمسؤولين الأجانب. وهذه الخطوة لا تتوافق مع الانطباعات الجيدة عن الانفتاح والإصلاحات التي عززها الأمير محمد بن سلمان بنجاح خلال زيارته الأخيرة إلى أوروبا والولايات المتحدة. على العكس، فهي تقلل من أهمية مقابلاته مع العديد من الصحفيين واجتماعاته مع مجالس التحرير في كبريات الصحف – بما في ذلك صحيفة واشنطن بوست، حيث أمضى حوالي ساعتين يتحدث إلى المحررين حول سياساته الإصلاحية. إن التعصب الديني الذي شوه صورة السعودية لعقود من الزمن قد أفسح المجال الآن أمام تعصب جديد وربما أكثر فتكا، وهو مذهب الولاء الأعمى لزعيمنا.

انها مقايضة غير عادلة ولن أقوم بها. أظن أن لجين وزملائها قد شعروا بنفس الطريقة.

أتوقع أن استمر في الاستيقاظ كل صباح وأتساءل عن نجاعة الخيار الذي اتخذته للتعبير عما يدور في ذهني بشأن ما يجري في السعودية. إنه نمط اعتدت عليه. على الرغم من الألم الذي يسببه لي لأنه يذكرني بمدى افتقاري لوطني وبيتي. ولكن الآن، بعد هذه الاعتقالات الجديدة والإذلال العلني المتعمد لهؤلاء الشخصيات، يتضاءل قلقي إلى حد كبير. اذ لا يمكن للإصلاحات الاجتماعية المهمة جداً لمستقبل السعودية أن تأتي على حساب مساحة المناقشة والحوار. إن القمع والترهيب ليسا – ولا ينبغي أن يكونا – مرادفين مقبولين للإصلاح.