كانت إيران على الدوام سبّاقة في أساليبها القبيحة لإسكات الصحافيين، سواء داخل حدودها أو خارجها. غير أن قيام المملكة العربية السعودية بقتل الصحافي جمال خاشقجي داخل قنصليتها في إسطنبول مطلع هذا الشهر يتفوق في بشاعته على سوء المعاملة التي يتعرض لها الصحافيون في إيران.

نظرياً، يعطي التخبط السعودي إيران فرصة لتحسين صورتها الدولية عبر تصحيح سجلها في حرية الصحافة لكي تبعد نفسها عن جيرانها العرب والأتراك الذين اشتهروا بقمع وسائل الإعلام. غير أن المؤشرات الأولية تبين أن إيران مصرّة على الاستمرار في ممارساتها في قمع الصحافيين لأوهن الأسباب. آخر هذه الأمثلة هو اعتقال الصحافي بويان خوشال.

بحسب النائب العام في طهران، تم اعتقال خوشال بسبب كلمة واحدة وردت في مقال حذّر فيه قراءه من إمكانية التعرض إلى أمراض معدية أثناء مشاركتهم في المراسم السنوية التي يتجه فيها الملايين من الشيعة لزيارة كربلاء في العراق ، والتي تجري هذا العام  في 30 تشرين الأول/ أكتوبر.

AD
AD

لم يكن سبب اعتقاله هو موضوع المقال الذي قدّم فيه خدمة صحافية عامة، ولم يكن السبب هو إمكانية أن يحفّز المقال البعض على عدم المشاركة في مراسم الزيارة خوفاً من الأخطار الصحية التي ذكرها في المقال. كان السبب الذي أعتُقل لأجله خوشال هو قراره أن يشير إلى موت الحسين بن علي باستخدام كلمة “وفاة” بدلاً من استخدام كلمة ” استشهاد”، وهي الكلمة الرسمية التي يوصف بها هذا الحدث التاريخي في إيران.

يأتي اعتقال خوشال بعد يوم واحد بعد أن ألقى المقرر الخاص بحرية الرأي والتعبير في الأمم المتحدة ديفيد كاي خطاباً مهماً حول سوء معاملة النظام الإيراني للصحافيين. جاء هذا الخطاب تعبيراً عن تصاعد القلق تجاه استهداف إيران للصحافيين الذين يعيشون خارج أراضيها، خصوصاً التهديدات والإجراءات القانونية ضد حوالي 150 موظفاً في خدمة البي بي سي الفارسية الذين يعملون في مقراتها في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

لجأ النظام الإيراني إلى معاقبة الصحافيين الذين يعملون في الخارج عبر استهداف عائلاتهم التي تسكن داخل إيران. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء لم يكن محسوباً، إلا أن النظام لم يجد أمامه غيره. إذ أن سنوات من إجراءاته في استهداف الصحافيين عبر الاستجوابات المستمرة، التهديدات بالتعذيب، وسحب تراخيص العمل الصحافي والاعتقال لم تكن كافية ليحقق النظام أهدافه.

AD
AD

أجابت ممثلة النظام الإيراني في جلسة الأمم المتحدة زهراء إرشادي بادعائها أن بلدها مستهدفة من قبل ” حرب إعلامية منظمة و مخطط لها ، ومدعومة من قبل أنظمة معادية”. حتى لو كان هذا الادعاء صحيحاً (وهو ليس كذلك)، فهو لا يبرر الاستهداف طويل المدى الذي أطلقه النظام الإيراني ضد مواطنيه، ومنهم الصحافيين. هذا الاستهداف هو السبب الذي دفع لقيام الكثير من الحملات الدولية لمواجهة هذا القمع ضد الصحافة، والتي لقت اهتماماً دولياً واسعاً.

لو قامت الولايات المتحدة بانتقاد النظام السعودي بشكل أكبر، فربما كان ذلك دافعاً لإيران وغيرها من الدول السلطوية في المنطقة أن تراجع نفسها، غير أن هذا الأمر غير وارد الآن.

منذ العام 2015، عندما تم اعتقال ومحاكمة مجموعة من الصحافيين في إيران بدعوى التعاون مع حملات أجنبية، أصبح الوضع خانقاً بالنسبة للصحافيين الإيرانيين، لدرجة أن القليل من  الأخبار الحقيقية في إيران تجد طريقها للنشر. وما اعتقال الصحافي خوشال إلا تأكيداً على هذا الوضع.

AD
AD

اليوم، معظم الأخبار التي ترد عن إيران ينقلها الصحافيون الذين هاجروا إلى العواصم الغربية وحافظوا على علاقاتهم مع الداخل، ومنهم الصحافيين العاملين في خدمة البي بي سي الفارسية. شجع تعصب إيران ضد حرية التعبير على زيادة هذه الظاهرة.

يلقي مقتل خاشقجي ضوءاً جديداً على إيران وغيرها من الدول التي تقمع الصحافة. هم اليوم على حافة مفترق طرق، فإما أن يستمروا في استهداف الصحافيين في بلدانهم وخارجها، أو يخففوا من حدة قمعهم لحرية التعبير ونشطاء المجتمع المدني.

كردة فعل طبيعية، استخدمت طهران الجريمة البشعة التي ارتكبت في حق خاشقجي كفرصة لتكثيف خطابها المعادي للسعودية، غير أن الرئيس الإيراني حسن روحاني تمادى في هذا الخطاب يوم الأربعاء الماضي عندما قال إن الولايات المتحدة كانت على علم بخطة القتل قبل أن تحدث. قال روحاني في اجتماع مع مجلس وزراءه تم بثه عبر التلفزيون الإيراني: “لا أعتقد أن أي دولة سوف تتجرأ على القيام بشيء كهذا دون الدعم الأميركي”. رغم أن وسائل الإعلام الحكومية في إيران لم تعد تتمتع بأي مصداقية، في هذه المرة سمح النظام دون أن يقصد لموجات البث المحلية أن تنقل على الهواء مثالاً صارخاً على نفاقه.

AD
AD

قبل أن يتم انتخابه رئيساً في 2013، قدّم روحاني وعوداً بأن يفتح الفضاء الاجتماعي والثقافي في إيران عبر تشجيعه لإنترنت مفتوح للجميع وسريع، والتقليل من الرقابة الحكومية على وسائل الإعلام، وتشجيع الاستثمار الأجنبي وفتح الفضاء للحوار السياسي. على الرغم من ومضات مؤقتة اختفت سريعاً، لا يزال مناخ الحرية بالنسبة للمجتمع المدني مختنقاً كالسابق. ليس هذا الأمر مبشراً بأي تغيير إيجابي قريب.

Read more:

AD
AD