A Tunisian holds a bird cage countaining his national flag during a demonstration to mark the eighth anniversary of the democratic uprising in Tunis. (Hassene Dridi/AP)

احتفل التونسيون يوم الاثنين مرة أخرى بالذكرى السنوية لثورتهم في عام 2011 التي ألهمت أيضًا انتفاضات الربيع العربي الأوسع حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يعيد التونسيون وغيرهم النظر في هذه الأحداث مرة أخرى هذا العام ويحاولون استنباط معناها الأكبر. لا يزال الكثيرون يتطلعون إلى تونس كنموذج محتمل للانتقال الديمقراطي الناجح، حتى وهم يدركون أنّها لا تزال تجربة هشّة. لكن مع احتفال التونسيين بهذه المناسبة هذا العام، أصبح من الواضح أنّ الانتهاكات التي أدّت إلى الثورة في طيّ النسيان.

المسألة ليست أنّ التونسيين لم يحاولوا التحقق من الماضي. في عام 2013، أصدر المشرّعون قانونًا ينصّ على إنشاء عملية عدالة انتقالية تهدف إلى فضح انتهاكات حقوق الإنسان من جانب الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وطلب التعويضات والمصالحة في نهاية المطاف. في عام 2014، أنشأت الحكومة لجنة الحقيقة والكرامة لتنفيذ هذه العملية. كما هو الحال في العديد من لجان الحقيقة الأخرى، مثلما حدث في جنوب إفريقيا وتشيلي، فإنّ عملها لم يصل إلى مستوى توقعات الضحايا.

مع ذلك، افتتحت اللجنة 62,720 ملفًا للضحايا وأجرت 49,654 مقابلة سرية خلال أربع سنوات قصيرة. لقد كشفوا عن جرائم كانت مخفية لعقود. في مايو/أيار الماضي، بدأت اللجنة بإحالة القضايا إلى 13 محكمة خاصة في جميع أنحاء البلاد أُنشِئَت بموجب قانون العدالة الانتقالية. لهذه المحاكم الخاصة أيضًا صلاحية النظر في قضايا ضد أشخاص سبق الحكم عليهم في المحاكم العادية على خلفية نفس الجرائم، نظرًا لأن المحاكم التي نظرت في هذه القضايا في وقت سابق قد لا تكون مستقلة تمامًا أو جاهزة للتعامل مع مسؤولية القيادة.

بالطبع، فإنّ الجرائم التي اكتشفتها اللجنة لم تكن خفية بالنسبة للضحايا. في الدولة البوليسية التي قادها زين العابدين بن علي، الذي كان رئيسًا من عام 1987 حتى الإطاحة به في عام 2011، كان بإمكان المواطنين العاديين العيش بجوار ضحايا التعذيب والاختفاء القسري والاغتصاب من قبل رجال الأمن وألّا يعلموا عن عذاب جيرانهم. فرضت الحكومة قيودًا على كافة السبل التي تُمَكِّن المواطنين من تبادل المعلومات “الحساسة”: حرية التعبير والصحافة والتجمع وإنشاء الجمعيات.

الآن شارفت نهاية تفويض اللجنة. لكن الحكومة لم تنتظر حتى تقرأ تقريرها النهائي قبل انتقاد عملها. الخلفية السياسية واضحة: الانتخابات الوطنية الأخيرة في عام 2014 جلبت العديد من أعضاء النظام القديم إلى السلطة. كان لدى البعض منهم مصلحة راسخة في عرقلة الجهود الهادفة لكشف المسؤولين عن القمع والجرائم الاقتصادية. اليوم، يمتلك وزيران حاليان نفس الحقيبتَين اللتَين أشرفا عليها في عهد بن علي في عام 2011، بينما خدم وزيران آخران على الأقل كوزيرَين في عهد بن علي بصلاحيات أخرى. لقد ساهم ذلك في نشوب مناخ سياسي معادٍ جدًا للكشف عن الماضي.

كانت أحدث علامة على نبذ الحكومة لاستكشاف تاريخ الدولة المسيء في ديسمبر/كانون الأول الماضي خلال المؤتمر الختامي للّجنة عندما حان الوقت لتقديم نتائجها الرئيسية. لم يحضر أي مسؤول حكومي. قالت رئيسة اللجنة سهام بن سدرين خلال ملاحظاتها الافتتاحية: “نأسف لغياب المسؤولين عن حكومتنا، والمسؤولين من برلماننا، والمسؤولين من رئاسة جمهوريتنا.”

لم يكن هذا الغياب مفاجئًا بالمرة. حاول السياسيون المنتسبون إلى الائتلاف الحاكم وقف عمل اللجنة عدة مرات. انتقدت النقابات التي تمثل قوات الأمن بشدة عملية العدالة الانتقالية وحثّت في إحدى المناسبات الأعضاء على الإضراب حتى الإفراج عن زملائهم المحتجزين بتهمة التعذيب. رفض جميع المتهمين بالمشاركة في الانتهاكات الماضية التعاون مع أوامر الاستدعاء للمثول أمام المحاكم الخاصة.

هذه إشارة مقلقة بالنسبة لسيادة القانون في تونس. لقد فقد العديد من التونسيين الثقة في الدولة نتيجة لما يرونه فشلًا في إجراءات العدالة الانتقالية. بالنسبة إلى هؤلاء التونسيين، فإنّ السؤال المفتوح هو ما إذا كانت الدولة تمثل الشعب بالفعل أو إن كانت تسيء معاملتهم أو تسحقهم بالأقدام.

اليوم، مع الأسف، انتهاكات الماضي مستمرة – التعذيب لا يزال “منتشرًا بكل مظاهره”، وفقًا للجمعيات التونسية غير الحكومية. لا تزال الدولة تقيد الحريات المدنية وإن كانت بدرجة أقل من الماضي – على سبيل المثال، من خلال مقاضاة المدوِّنين ومغنّي موسيقى الراب وسجنهم في بعض الحالات بسبب كلامهم السلمي بموجب قوانين لم تتعرض للإصلاح.

استمرار التجاوزات السابقة هو نتيجة يمكن التنبؤ بها نظرًا للفشل في التعامل مع ذلك الماضي. لحسن الحظ، شمل قانون تونس لعام 2013 حول العدالة الانتقالية أكثر من مجرد تلك اللجنة. القانون يلزم السلطات بمواصلة عمل المحاكم الخاصة وتقديم تعويضات للضحايا. لكن في مقابلة متلفزة عُرِضَت في أواخر ديسمبر/كانون الأول، قال رئيس الوزراء يوسف الشاهد إنّ حكومته تعدّ مشروع قانون جديد حول العدالة الانتقالية، وهذا مؤشر على أنّ الحكومة قد تنوي تجنّب الالتزامات المنصوص عليها في القانون الحالي.

قد يبدو سؤالًا نظريًا عند البتّ في تاريخ الدولة وأي من أجزائه جديرة بالتذكّر وأي من أجزائه ستكون طيّ النسيان. لكن التوصل إلى التاريخ الرسمي الصحيح حول الأشخاص الذين هُمِّشوا أو أُسيئَت معاملتهم أو استُغِلّوا أو تعرضوا للمحو تقريبًا هو شرط أساسي لبناء نظام سياسي تعددي وديمقراطي. تقف تونس بعد ثمان سنوات من ثورتها، لكنها لا زالت تصارع ما حدث قبل ذلك.

زُر Post Arabic Opinions لقراءة المزيد من أعمدتنا وافتتاحياتنا المترجمة

محاكمة السعودية بشأن مقتل خاشقجي مهزلة

مأساة فهد البتيري ولجين الهذلول

محرك القمع السعودي يستمر في العمل بأقصى سرعة