Egyptian President Abdel Fatah al-Sissi addresses the Munich Security Conference on Feb. 16. (Hildenbrand/Handout/EPA-EFE)

عز الدين شكري فشير هو كاتب مصري ودبلوماسي سابق يُدَرِّس في كلية دارتموث. إنّه مؤلف رواية “عناق عند جسر بروكلين“.

خلال أقل من أسبوعين، اقترح البرلمان المصري “التعديلات الدستورية” التي تمت مناقشتها والموافقة عليها التي من شأنها أن تسمح للرئيس عبد الفتاح السيسي بالبقاء في منصبه حتى عام 2034، وتجعله رئيسًا للسلطة القضائية وتسمح له بإخضاع النظام السياسي إلى “الوصاية” العسكرية. هذه التعديلات الخارجة عن المألوف ستخضع لاستفتاء بعد فترة “نقاش عام” مدتها 30 يومًا (في دولة حيث يمكن لتغريدتك عبر تويتر أن تعرّضك لعقوبة بالسجن لمدة خمس سنوات). المادة 226 التي تحدد عملية التعديل الدستوري تحظر بشكل صريح تعديل حدود فترة الولاية الرئاسية أو الأحكام المتعلقة بالحريات “ما لم ينصّ التعديل على مزيد من الضمانات” لهذه الحريات. بعبارة أخرى، فإنّ تعديلات السيسي المقترحة غير دستورية. الضغط من أجل الدفع بها هو بمثابة “انقلاب دستوري”.

الكثيرون داخل مصر وخارجها سيتجاهلون الأمر عندما يقرؤون هذه المعلومات. بالنسبة لهم، هذا ليس أمرًا جديدًا ولا هامًا. “أليست مصر بالفعل ديكتاتورية عسكرية؟” “هل أخذ أي شخص على محمل الجد انتخابات رئاسية اعتُقِلَ خلالها كافة المرشحين الآخرين أو أُجبِروا على الانسحاب؟” “هل يهتم أحد ما بدستور تمت صياغته تحت عهدة الجيش وتتجاهله الدولة بشكل منهجي؟” وأيضًا: “هل يدعم أحد ما حقًا – أو يتحمّل – حكم السيسي العسكري على أمل أنه سيحوّل مصر إلى دولة ديمقراطية؟”

الجواب على كل هذه الأسئلة هو “لا” بكل وضوح. السبب الوحيد الذي يساعد أيًا كان على تحمّل الحكام السلطويين في مصر هو أنهم يحققون الاستقرار لبلدهم المكتظ بالسكان والأمن لجيرانه وشركائه. المصريون أنفسهم يفعلون ذلك. في عام 2013، اختارت الأغلبية الأمن والاستقرار بدلًا من الوعد المراوغ بالديمقراطية. تنفس بقية العالم الصعداء وحذا حذوهم. داخل مصر وخارجها، تراجع الجميع إلى نموذج غير سار لكنه مألوف: في مقابل الاستقرار، نحن نغضّ الطرف عن الاستبداد. في أفضل الأحوال، يمكن للمرء أن يدلي ببيان حول انتهاكات حقوق الإنسان وطرحها خلال اجتماع أو مؤتمر صحفي ثم العودة إلى المعتاد. لقد تخلينا عن فكرة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول التي مفادها أنّ الديمقراطية والاستقرار خيطان مرتبطان. واليوم، ليس هناك اعتبار إلا لخيط واحد فقط: الاستقرار.

المشكلة مع هذا “الانقلاب الدستوري” هو أنّه يربط الخيطين من جديد. من خلال تمديد حدود فترة الرئاسة وتآكل ما تبقى من استقلالية القضاء وتكريس الرقابة العسكرية في الدستور، فهذا الانقلاب يحوّل مصر إلى ديكتاتورية عسكرية عارية من دون حتى الوعد بالحكم الديمقراطي أو التظاهر به. هذا الأمر يتعارض مع توقعات المصريين وتصورهم لأنفسهم. لقد تعب المصريون بالفعل من استفتاءات الرئيس السابق حسني مبارك، وعندما استسلم أخيرًا للضغوط وعرض انتخابات تنافسية في عام 2005، اعتبرها غالبية المصريين خطوة متأخرة جدًا. حتى إن قبلوا استحواذ السيسي على السلطة، فإنّ معظم المصريين اعتبروا حكمه أمرًا مؤقتًا. ربما اعتبروه خطوة ضرورية لإنقاذ مصر من الفوضى، خطوة انتقالية نحو دولة حديثة قابلة للعمل، وليس حكمًا عسكريًا على غرار الستينيات. ما تقوله هذه التعديلات للمصريين هو أنهم سيبقون تحت حكم الجيش إلى الأبد. هذا أبعد مما يمكن أن يستوعبه غالبية المصريين.

في حين تعتمد الأنظمة الاستبدادية مثل النظام المصري في المقام الأول على الإكراه، فإنّها تحتاج إلى الشرعية. فكلما قلّت الشرعية التي يتمتع بها النظام، كلما ازدادت الحاجة إلى الإكراه الذي يوظُفه، وكلما ازدادت أجزاء المجتمع التي ينفرها، وما إلى ذلك، في حلقة مفرغة نحو الحضيض. لقد نفّر السيسي بالفعل شرائح كبيرة من المجتمع. أدّت الإصلاحات الاقتصادية القاسية إلى نفور الطبقات الوسطى. الإسلاميون يترنحون مع عشرات الآلاف من نشطائهم في السجون والباقي في المنفى. شبه جزيرة سيناء محاصرة بتحدٍ إرهابي يتأقلم بكل سهولة. ويشعر ملايين الشباب بالغضب من تبديد آمالهم في عام 2011 بالديمقراطية وبمستقبل أفضل. السيسي يترأس برميل بارود قابل للانفجار.

إحدى مشاكل الأنظمة الاستبدادية هي أنّها غامضة. إنّ افتقارها إلى الشفافية وسيطرتها على وسائل الإعلام وغياب الحيز العام، فضلًا عن القمع الشديد للمعارضة، يجعل من الرأي العام أمرًا يصعب قياسه. وعلى الرغم من أفضل الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية، إلّا أن الحكام لا يكوّنون إلّا فكرة تقريبية عن موقف الرأي العام. مع مرور الوقت، يتم خنق حتى إشارات الإنذار المبكر الخاصة بالنظام إن كانت تتعارض مع آراء الحكّام. في نهاية المطاف، يمنع القمع والتفكير الجماعي الحكام السلطويين من رؤية حدود قوتهم. ثم يعبرون نقطة تحول دون ملاحظة ذلك. هكذا سجن الرئيس السابق أنور السادات تقريبًا كافة رموز المعارضة في سبتمبر/أيلول 1981، أي قبل شهر من اغتياله. هكذا قام الرئيس مبارك وابنه الطَموح بتزوير الانتخابات وفاز بكل المقاعد قبل أشهر قليلة من انتفاضة التحرير في عام 2011 . هكذا أعلن الرئيس السابق محمد مرسي أنّه فوق القانون من خلال “إعلان دستوري” قبل سبعة أشهر من اتحاد كافة فصائل المعارضة للإطاحة به. المفارقة هي أنّه عندما ينهار النظام نتيجة لذلك، يبدو الجميع متفاجئًا.

في عالم مثالي، لكان السيسي تعلّم من أخطاء الرجال الذين أطاح بهم. في عالم مثالي، لكان الجيش المصري يمنع السيسي من التحول إلى مبارك الذي أطاح به. في عالم مثالي، لكان شركاء مصر، أولئك الذين استثمروا مليارات الدولارات في استقرارها أو أولئك الذين ينتجون مليارات الدولارات منها، قد استخدموا نفوذهم لإنقاذ السيسي ونظامه من الهاوية والضغط عليه من أجل البدء بإصلاحات حقيقية للحد من التوتر الداخلي والاستياء.

لكننا لا نعيش في عالم مثالي، وليس من المحتمل حدوث أي مما سبق ذكره. الأرجح هو أن تواصل مصر طريقها الوعر مع قيادة قديمة أعماها الخوف والطموح باستخدام الإكراه لمعالجة الانقسامات السياسية. سوف تستمر الأمة جنبًا إلى جنب مع الصعوبات الاقتصادية والفساد المؤسسي مع نخبتها المنشغلة بالمشاحنات وغليان جماهيرها حتى يحدث خطأ واحد ما ويشتعل برميل البارود.

فقط لا تتظاهروا بالدهشة في المرة القادمة التي يحدث فيها ذلك.