لقد مر ما يقرب من ستة أشهر منذ مقتل جمال خاشقجي بشكل وحشي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، لكن صدى الحادثة لا يزال يرتد باستمرار. لقد عصفت الجريمة بشراكة الدفاع والاستخبارات الأميركية-السعودية، حيث أصبح مستقبلها معلّقًا بانتظار الإجابات من الرياض.

هذه القضية شخصية بالنسبة لنا هنا في صحيفة البوست. كان خاشقجي زميلنا وصديقي لمدة 15 عامًا. لفهم كيفية حدوث عملية اغتياله الشنيعة وما إذا كان من الممكن إعادة بناء العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، فقد أجريتُ مقابلات مع أكثر من اثني عشر مصدر أميركي وسعودي على علمٍ بالمسألة، وقد كشَفَت هذه المصادر بعض التفاصيل التي كانت سرية سابقًا لأنها تأمل في وضع قواعد جديدة وإطار محاسبة قد يساهمان في الحفاظ على العلاقة. لقد طلبت المصادر عدم الكشف عن هويتها نظرًا لحساسية المعلومات.

خلاصة القول هي أنّه ما لم يعترف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بدوره في هذه الحادثة ويقبل اللوم عن أعمال القتل التي ارتُكِبَت باسمه، فستظل علاقته بالولايات المتحدة معطوبة. يزعم مسؤولون سعوديون أنّ ابن سلمان قد أقدم على بعض التغييرات، حيث طرد منّسقه السابق للعمليات السرية سعود القحطاني. لكن آلة القمع السعودية لا تزال متماسكة.

اتخذ ابن سلمان خطوة صغيرة نحو تهدئة النقاد يوم الخميس عندما أعلنت المملكة أنها أطلقت سراح ثلاث ناشطات في مجال حقوق المرأة من السجن أثناء انتظارهن المحاكمة. لا تزلن عشر نساء أخريات رهن الاحتجاز.

قال الأمير خالد بن سلمان، الأخ الأصغر لولي العهد والسفير السابق في واشنطن والآن نائب وزير الدفاع، في مقابلة أُجرِيَت معه يوم الخميس إنّه يأمل في إصلاح الشراكة: “العلاقة لم تبدأ خلال يوم واحد، ولن تنتهي خلال يوم واحد.”

قصة خاشقجي هي درس في كيفية إساءة استخدام دول أخرى لإمكانيات الاستخبارات والعمليات الخاصة التي تدعمها الولايات المتحدة. من بين النتائج التي لم يُكشَف عنها سابقًا:

– بعض أعضاء المجموعة السعودية للتدخل السريع التي أُرسِلَت إلى إسطنبول تلقوا تدريبات في الولايات المتحدة، وفقًا للمصادر الأميركية والسعودية. حذرت وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي أيه” وكالات حكومية أخرى من أنّ بعض عمليات التدريب الخاصة هذه قد تمّت عن طريق “تِير 1 قروب”، وهي شركة مقرها ولاية أركنساس، بموجب ترخيص من وزارة الخارجية الأميركية.

– ثمة خطة أميركية معلّقة أيضًا لتدريب وتحديث جهاز الاستخبارات السعودي بانتظار ترخيص من وزارة الخارجية الأميركية. تم تطوير هذا المشروع بواسطة “كُلبيبر ناشونَل سِكيورِتي سُلوشُنز”، وهي وحدة تابعة لشركة “داينكورب”، بمساعدة من بعض مسؤولي “سي آي أيه” السابقين البارزين. لم يتم القيام بأيّ عمل في هذا المشروع.

في عام 2017، تم التعرّف علانية على مايكل موريل، القائم السابق بأعمال مدير الـ”سي آي أيه”، كرئيس لمجلس إدارة شركة “كُلبيبر”، لكنه لم يَعُد يشغل هذا المنصب وفقًا لمصدر مطّلع على الشركة. قال مصدر ثانٍ إنّ موريل انسحب من المشروع بعد أيام من مقتل خاشقجي بدافع القلق من الاتجاه الذي كانت السعودية تتقدم نحوه. رفض موريل التعليق.

شركتا “تِير 1 قروب” و”داينكورب” مملوكتان من قبل فروع لشركة “سُربرُس كابيتَل مانَجمَنت”. لم تؤكد الشركة أو تنفِ ما إذا كان أي من مرتكبي جريمة قتل خاشقجي السبعة عشر الذين فرضت عليهم وزارة الخزانة الأميركية عقوبات قد تلقوا تدريبهم بموجب عقد شركة “تِير 1”.

“مجموعة أن أس أو”، شركة إسرائيلية تقدم أدوات متطورة لاختراق الهواتف الخليوية، أقدمت على مراجعة علاقتها مع السعودية وتغييرها، وفقًا لمصدر سعودي، بسبب مخاوف من احتمالية تعرّض تقنيتها لسوء استخدام. رفضت الشركة مناقشة أي عملاء محددين ولم تؤكد أو تنفِ هذه الرواية.

إنّ فهم كيفية وقوع الجريمة في إسطنبول يبدأ بابن سلمان ومستشاره المتآمِر القحطاني. ابتداءً من عام 2015 عندما تولى الملك سلمان مقاليد الحكم، بدأ القحطاني باستخدام البلاط الملكي لقمع المعارضة. كانت قاعدة عملياته هي مركز الدراسات والشؤون الإعلامية، لكن خلف هذه الجبهة الرنانة بدأ القحطاني في تجميع فريق مكون من أعضاء أجهزة الاستخبارات السعودية والجيش السعودي. وبدأ بشراء أدوات المراقبة من “أن أس أو” وبائعين آخرين.

نظرًا لتخصص القحطاني في حملات وسائل التواصل الاجتماعي ضد منتقدي ابن سلمان، أصبحت أهدافه تميل بشكل متزايد نحو المعارضين والصحفيين أمثال خاشقجي. بحلول عام 2017، كان القحطاني قد جمع أكثر من أربعة وعشرين اسمًا لأشخاص قد يكونوا عرضة للاعتقال أو الاحتجاز، من بينهم خاشقجي، وفقًا لسعودي رأى القائمة بأم عينه. قال المصدر إنّ أربعة من الأسماء فقط يمكن وصفهم بأنّهم “مقاتلون أعداء”.

من بين عمليات سرية أخرى، أشرف القحطاني على اعتقال واحتجاز السجناء السياسيين مثل النساء الناشطات. وفقًا للمصادر الأميركية والسعودية، فإنّ إحدى التفاصيل المفزعة للاستجوابات تقول إنّ المعتقلين أُجبِروا على توقيع اتفاقيات عدم إفشاء تتعهد بأنّهم سيتحملون “المسؤولية الكاملة” عن العواقب إذا ما تحدثوا عن احتجازهم واستجوابهم.

كان قائد فريق الهجوم في إسطنبول ماهر المطرب عقيدًا في جهاز الاستخبارات السعودي، وهو أحد أفراد عائلة سعودية ثرية ومحترمة. قال مصدر سعودي إنّه خدم في لندن منذ عام 2002 إلى 2007 كنائب لرئيس المحطة. لقد كان خبيرًا مبكرًا في مجال الاستخبارات الإلكترونية، وكان يقدم المشورة بشأن الأمن الحاسوبي في بعض الأحيان إلى الأصدقاء السعوديين الذين عملوا في السفارة، وفقًا لمصدر سعودي.

عندما عاد المطرب إلى المملكة حوالي عام 2007، كانت أجهزة الاستخبارات ترسله بانتظام إلى الخارج، إلى الولايات المتحدة وأماكن أخرى، من أجل المزيد من التدريبات. قال المصدر السعودي إنّ المطرب ذكر لأصدقاء سعوديين أنّه ذهب إلى برامج تدريبية في الولايات المتحدة.

قال المصدر السعودي، نقلًا عن مصادر بداخل الديوان الملكي، إنّ المطرب انجذب إلى دائرة القحطاني عندما دُعي للانضمام إلى الاتحاد السعودي للأمن السيبراني. بفضل مهاراته الاستخباراتية والإلكترونية، تم اختياره عام 2017 كمساعد للأمين العام لشؤون الأمن في مركز القحطاني، وفقًا لمصادر أميركية وسعودية.

يوضح التقوّس الوظيفي للمطرب من ضابط استخبارات أجنبي محترم إلى عضو مزعوم في فريق للخطف والقتل كيف أنّ ابن سلمان والقحطاني قد لَوا الاستخبارات السعودية من أجل تحقيق رغباتهما.

ما حدث داخل القنصلية السعودية في إسطنبول يظل غامضًا حتى بعد مرور ستة أشهر لأن السعوديين لم يفصحوا بعد بالكامل عن تفاصيل الأحداث.

يبدو أنّ أفضل رواية لمقتل خاشقجي جاءت من خلال جهاز تنصّت زرعته الاستخبارات التركية بداخل القنصلية. المصدر السعودي الذي قرأ نصّ محتويات جهاز المراقبة غير القانوني ذلك قام بوصفها. قال إنّها تشير إلى أنّ الفريق كان يعتزم اختطاف خاشقجي وإعادته إلى الوطن من أجل اعتقاله واستجوابه – لكن الخطة فشلت وقُتِلَ خاشقجي. ثم تم تقطيع جسده والتخلص منه.

إنّ نصّ التسجيل، كما وصفه المصدر السعودي، يقشعر له الأبدان. يقول المطرب لخاشقجي: “ستعود معنا.” يحتج خاشقجي بقوله: “لا! لدي أناس في الخارج ينتظرونني”، وكان يعني خطيبته خديجة جنكيز. يصرّ المطرب: “أنت قادم معنا!” قال المصدر السعودي إنّ خاشقجي يصرخ بينما يتم الإمساك به.

ما يتبع ذلك لا يزال محل تخمين. يقول المصدر السعودي إنّ هناك ملاحظة في النصّ تشير إلى أنّ خاشقجي قد أُعطِي حقنة، وقد استُنتِج هذا الأمر على ما يبدو من خلال التسجيل الصوتي. قال المصدر السعودي إنّ الحقنة كانت على الأرجح مهدئات قوية حقنه بها صلاح الطبيقي، وهو أخصائي طبي زُعِم أنّه كان جزءًا من الفريق.

ثم وُضِعَ كيس فوق رأس خاشقجي، وصرخ قائلًا: “لا أستطيع التنفس. أعاني من الربو. لا تفعل هذا.” توفي بعدها فترة وجيزة – ربما بسبب جرعة زائدة من المهدئات أو انسداد مجرى التنفس أو الاختناق. بعد وفاته، يصف النصّ صوت طنين، ربما مصدره منشار كهربائي بينما كان يتم تقطيع جسده إربًا. على ما يبدو أنّ الطبيقي كان قد أشرف على هذه المهمة المروعة، وفقًا للسعودي الذي قرأ النصّ.

بعد فشل محاولة التستر الأولية، أدان المدعي العام السعودي 11 شخصًا في مقتل خاشقجي وطالب بعقوبة الإعدام لخمسة منهم. قالت المصادر إنّ القحطاني لم يكن أحدهم. السعوديون لم يكشفوا عن أسماء المدانين.

على الرغم من التقارير التي تفيد بأنّ القحطاني قيد الإقامة الجبرية، فقد أخبرني سعوديان أنّه ربما لا يزال على اتصال مع مساعديه السابقين. قال مسؤول سعودي يعرف القحطاني بشكل جيد: “إذا كنتَ في موقفه، فإنّك تريد التأكد من أنّك لن تخسر كل شيء.” واستشهد بمثل سعودي: “’إذا وقع الجمل كثرت سكاكينه.’ الجميع يريد أن يُظهِر أنّ الجمل لا يزال واقفًا.”

كتب خاشقجي كثيرًا عن رغبته الشديدة في التحديث وسيادة القانون في المملكة. خلال لحظاته الأخيرة، توسّل بالقول إنّه لا يستطيع التنفس، لكن مقتله قد يمدّ الأكسجين لمطالبه بالإصلاح.