Brian Stauffer for The Washington Post

إياد البغدادي هو كاتب وناشط عربي. إنه مؤسس “مؤسسة الكواكبي” التي تتخذ من أوسلوا مقرًّا لها.

منذ عام مضى، بعد مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، أصبح محرك الدعاية السعودي عبر الإنترنت على تويتر شديد الحماسة. دفع المتصيدون في الحكومة السعودية الوسوم وتعطلت المحادثات وسخروا من المعارضين – كل ذلك بهدف تضليل الجمهور وخنق النقد. كان فريقي في “مؤسسة الكواكبي” يراقب إنتاجهم لشهور ووصلوا لدرجة توقعهم حجمًا كبيرًا وخفة حركة عالية وتنسيقًا عاليًا، مما يشير بقوة إلى التحكم المركزي. بالنظر إلى غموض الديكتاتوريات، فكرنا في أن تتبُعَنا عن كثب لنتائج الدعاية يمكن أن يعطينا نظرة ثاقبة على أولوياتهم. لكنني لا أستطيع أن أدّعي أن هذه الفكرة خاصة بي. لقد أحضرها لي جمال نفسه.

كانت الفكرة بسيطة بقدر ما كانت بارعة. بالرغم من كل شيء، إذا كان هناك شيء واحد لا تستطيع الحكومات الاستبدادية التوقف عن فعله، فهو إنتاج الدعايات. شاركني جمال هذه الفكرة في محادثة هاتفية في أغسطس/آب 2018، وقمتُ بتطوير الفكرة بشكل أكبر خلال الشهرين المقبلين مع شريك آخر. لكن وفاة جمال في 2 أكتوبر/تشرين الأول غيّرت كل شيء.

يُنظر إلى جمال في المقام الأول كصحفي، لكنه كان أكثر من ذلك. كان رائد أعمال في المجال العام وكان قلِقًا بشكل كبير بشأن صحة الخطاب العام في العالم العربي. لا عجب أن مقالته الأخيرة في واشنطن بوست كانت حول حرية التعبير. لقد فهم العلاقة المباشرة بين المجال العام الصحي وقدرة المواطنين على تحرير أنفسهم من الروايات المفروضة. والأهم من ذلك أنه فهم أيضًا أنه في السياق العربي لم يعد المجال العام موجودًا في ساحات المدن والصحف والمحطات التلفزيونية.

بعد ثورات الربيع العربي عام 2011، تحول المجال العام العربي عبر الإنترنت. في مواجهة المشهد الإعلامي التقليدي الخاضع للسيطرة، انطلق العرب، وخاصة الشباب، إلى وسائل التواصل الاجتماعي بأعداد كبيرة للتعبير عن حريتهم المكتشفة حديثًا. كنتُ واحدًا منهم. سرعان ما أصبح تويتر أهم هذه المساحات على الإنترنت – قلب المجال العام العربي الديناميكي والأمل والشبابي. على المنصة، تعرفتُ على جمال في نهاية المطاف.

الحكومات الاستبدادية التي تسيطر على معظم العالم العربي لم تكن مستعدة لهذا الانفجار لحرية التعبير. لعقود من الزمان، استثمروا في وسائل الإعلام التقليدية، فقط من أجل أن تجعلها وسائل التواصل الاجتماعي مهمَّشة إلى حد كبير. كانت محاولاتهم الأولية لمعالجة هذا الأمر فظيعة إلى حد ما – حيث قامت بإنشاء “جيوش إلكترونية” تشمل حسابات آلية نشروها مثل شرطة مكافحة الشغب عبر الإنترنت. ثم بعد عام 2013 لجأوا إلى اعتقال وإخفاء الأصوات البارزة على الإنترنت. في هذا السياق، في عام 2014، اعتُقِلتُ وطُرِدتُ لاحقًا من بلدي السابق الإمارات العربية المتحدة.

لكن ما فعلته الديكتاتوريات العربية الأخرى بفظاظة فعله النظام السعودي بتطور لا يرحم. عندما اختار جمال المنفى في صيف عام 2017، كان قبل أسابيع عدة من موجة الاعتقالات الجماعية التي استهدفت المنشقين والمثقفين. كان هناك شيء واحد مشترك بين العديد من الضحايا: لديهم متابعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. كانت الاعتقالات جزءًا من خطة للسيطرة على آخر مجال علني مفتوح وشامل للجميع أكثر من استهداف المنشقين أنفسهم.

يبدو أن خطة السعودية تضمنت خطوتين. في الأشهر التي سبقت الاعتقالات، أصبحت العشرات من الحسابات المؤكدة بمثابة أبواق دعاية مخصصة للحكومة تدريجيًا. ينتمي البعض إلى شخصيات مشهورة يبدو أنها انضمت إلى جهود الحكومة الدعائية إما عن طيب خاطر أو تحت الإكراه. لم يكن الآخرون معروفين في السابق، حيث حصلوا على آلاف المتابعين وشارة التأكيد في وقت قياسي. لكل واحد من هؤلاء المؤثرين، كان هناك المئات من الحسابات الأصغر التي يبدو أنها مُدارة من قبل إنسان، تعمل كجنود مشاة في جيش جيد التنسيق على الإنترنت.

سرعان ما تبعت الاعتقالات الجماعية للأصوات المستقلة. بمجرد إسكاتها، قام محرك الدعاية الذي تسيطر عليه الدولة على الفور بتحريك ناتجه لملء الفراغ. بحلول نهاية عام 2017، نجح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومستشاره آنذاك سعود القحطاني إلى حد كبير، وأصبحت أداتنا الأساسية للتعبير الحر أداة أساسية للقمع والسيطرة الاجتماعية. قلة من الأصوات المعارضة في السعودية تجرأت على تبادل الرسائل النقدية – ومعظم الذين كانوا خارج السعودية اختاروا الصمت خشية على سلامة أسرهم.

كان هناك استثناء ملحوظ: جمال. لم يقتصر الأمر على أنه كان لا يزال حرًا في تويتر، ولكنه اكتسب بسرعة أيضًا منصة أكبر وأكثر شهرة في واشنطن بوست. لقد فعل الكثير بحريته في كتابة مقالات افتتاحية والدخول في مناقشات على تويتر. من موقعه الخاص الذي يمدّه بسلامة نسبية، بدأ يفكر بطريقة هيكلية في كيفية استعادة المجال العام الذي فقدناه.

هذا يعيدني إلى أفكاره. في المحادثات الخاصة بين أصدقاء جمال، ربما كان يتم مناقشة شيء واحد بمرارة: لقد قيل الكثير عن وحشية اغتياله، ولكن ليس بما يكفي عن رؤيته للعالم العربي. إن احترام تراث جمال ليس فقط طلب العدالة؛ إنه أيضًا مواصلة عمله. جمال، لسوء الحظ، لم يعِش طويلًا بما يكفي لمشاهدة معظم أفكاره ترى النور. لكنه ألهمنا بما يكفي لمواصلة الضغط من أجل رؤيته.

اقرأ المزيد:

فرَد رايَن: لماذا لن ينسى العالم فظاعة جريمة قتل جمال خاشقجي

توكل كرمان: نحن بحاجة إلى العدالة لليمن — وإلى العدالة لخاشقجي

هالة الدوسري: النظام الملكي السعودي ترك البلاد هشّة وغير متوازنة

عز الدين شكري فشير: جمال خاشقجي كان يرمز إلى الوعد بالتوفيق بين الإسلام السياسي والديمقراطية

محمد سلطان: كيف ساند خاشقجي المعارضين العرب وبنى لهم مجتمع

هيئة التحرير: تم إثبات أن صديقنا جمال كان على حق بعد مرور عام على مقتله