محمد سلطان هو مدافع في مجال حقوق الإنسان ومؤسس “مبادرة الحرية”.

لطالما مازحتُ جمال خاشقجي لسهولة إخافته. لا زلتُ أذكر سفرنا معًا إلى نيويورك في 2018 حينما أنّبني بصرخة عالية لاستخدامي هاتفي المحمول أثناء قيادتي للسيارة، غير عابئ بمحاولاتي لإقناعه بأن خبرتي في القيادة التي اكتسبتُها في طرق القاهرة سبب كافٍ للاطمئنان.

كانت مخاوف جمال فيما يتعلق بقيادتي للسيارة مبررة. ولكن الشيء الذي لم يخشاه جمال؛ هي الأفكار الكبيرة التي لا تحظى بشعبية كبيرة – وخاصة تلك التي تروج للحقوق الأساسية للشعوب العربية ابتداءً بالحريات الأولية إلى التمثيل في دوائر اتخاذ القرار. كما أنه لم يتخوف من نقل تجاربه ونصائحه للمدافعين عن حقوق الإنسان العرب – وأنا منهم – والذين وضعوه موضع المعلم الراشد. بممارسته هذا الدور، ساهم جمال في تعزيز أصوات الملايين من المضطهدين في الشرق الأوسط في وقت بذلت فيه حكوماتهم جهودًا واسعة لإسكاتهم.

كان جمال يدرك جيداً أن هناك عشرات الملايين من الدولارات في الدوائر السياسية الغربية لفرض سرديات لشيطنة المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. وعززت هذه السرديات صورًا نمطية تفيد بأنّ سكان المنطقة لا يُحكَمون إلا بالحديد والنار من قبل دكتاتوريين. وتنشر هذه السرديات فكر خاطئ يخلط ويربط الأفكار الإسلامية بالإرهاب. واستغلت تلك الأنظمة الاستبدادية فشل الإسلام السياسي خلال الربيع العربي لتشويه كل الأصوات المعارضة في المنطقة.

فهم جمال جيدًا أن هذه الروايات الخبيثة كانت تُستخدَم لتبرير الحكم الاستبدادي – وأدرك أيضًا أنه لن يملأ هذا الفراغ ويقدم رواية مضادة وحده. ووجد أنه لا بديل أفضل للتعبير عن آلام وصراعات الشعوب العربية وتطلعاتهم أكثر من العرب أنفسهم. ولذلك جاب العالم شرقًا وغربًا باحثًا عن هذه الأصوات للمساهمة في تمكينها وإعلاء صوتها.

جعل جمال نفسه متاحًا لكل من سعى إليه وتواصل معه وقدم التوجيه والإرشاد بكل رحب وسعة. وكانت سماحة جمال ولطفه عاملان يسهّلان على من حوله الحديث والنقاش في قضايا مهمة وحساسة بدون تكلف على أكواب الشاي. كما أنها سمحت له إقامة علاقات مع مجموعات مختلفة ومتعادية على الصعيد الأيديلوجي أو السياسي – سواء أكانت ليبرالية أو إسلامية أو علمانية أو في الحكومات أو حتى غير مؤدلجين من عامة الشعب. ولم يقتصر جمال علاقاته مع الآخرين في إطار إرشاداته بل كان يشاور ويتعلم من الصغير والكبير سبل الحراك والتغيير خارج المنظومة الدولتية التقليدية.

كنتُ محظوظًا للغاية بصداقة جمال ودعمه المعنوي لي في عامه الأخير الذي عاشه بالقرب من واشنطن. أتذكر الراحة التي شعرتُ بها عند رؤيته بين الحضور في أول كلمة لي بمركز أبحاث سياسية في واشنطن، فقد كان حريصًا على الحضور لتشجيعي. وبجانب مساعدته لي في الإطار المهني، فقد لعب دورًا كبيرًا على الجانب الإنساني والشخصي، وبالذات فيما يخص مسامحة خالي الجنرال في الشرطة المصرية الذي شارك في فض الاعتصام الذي كنت فيه عندما تم إطلاق النارعليّ والذي أُلقي القبض عليّ لاحقًا بسبب وجودي في الاعتصام. كان جمال أيضاً يساعدني في الاستعداد للمقابلات التلفزيونية المهمة وتهدئة مخاوفي بشأن سلامة عائلتي كلما تحدثتُ في الشأن المصري. استثمر جمال وقتًا ومجهودًا فيَّ من دون حسابات سياسية كما فعل مع أصوات عربية أخرى حول العالم.

امتدّ سند جمال إلى ما هو أبعد من السند الشخصي. فقد قدم جمال عنصرًا مكملًا في الرؤية للمجتمعات العربية المعارضة في المنفى وفي المنطقة كان مفقودًا منذ سقوط الربيع العربي. على عكس العديد من المعارضين الآخرين، كان جمال يتمتع بتاريخ من المحاولات للإصلاح من داخل دوائر السلطة. تحدث جمال كثيرًا عن قدرة البعض على إحداث تغيير إيجابي من داخل الأنظمة الحاكمة. مما جعل رؤيته فردية من نوعها في المجتمعات المعارضة ولذلك كان لكتابته وأفكاره صدى كبير في العالم العربي وتقبل من معسكرات مختلفة.

قام جمال بتوضيح فكره السياسي للمنطقة الذي كان كان يميل إلى الإصلاحية التقدمية – والتي لم تكن بأي حال من الأحوال ثورية – بشكل صريح في العلن والسر. وكان لديه من المعرفة والبصيرة ما يفيده في دعم أفكاره ورؤيته. والأهم من ذلك كله، أنه كان لديه من المعارف ما يزوده بنبض دوائر السلطة والشارع على حد سواء. ففي المنفى، بدأ جمال يبني حوله مجموعة ممن يشاركونه الفكر ولهم باع في تسليط الضوء على سردية أكثر دقة وصحة للعالم العربي وصراعاته.

بدأ جمال والمجموعة الذي بناها حوله بالعمل على تفكيك الرواية التبسيطية الاختزالية التي تروجها الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي. ولذلك بدى جمال -بفكره التقدمي التعددي الدقيق – كأسوأ كابوس لتلك الأنظمة. ولكن لم تكن أفكاره فقط هي التي أدت إلى اغتياله بهذه الطريقة الشنيعة، وإنما كانت كينونته ولأن جمال كان ببساطة – عملاقًا لطيفًا يميل للحرية، قادرًا على إلهام الآخرين.

لم يكُن جمال معي في المرة التالية التي قدتُ فيها سيارتي إلى نيويورك. كانت عطلة نهاية الأسبوع التي أعقبت اختفاءه من القنصلية السعودية بإسطنبول، وكنتُ أقوم حينها بتحديث صفحتي على تويتر كل دقيقة أتمسك بأي أمل يخيل لي أن الأسوأ لم يحدث بالفعل. شعرتُ برعب أكثر من فكرة ضرورة إبلاغ أهل صديقي خبر مقتله. وبينما نحن على وشك الوصول إلى نيويورك، استجمعتُ كل ما لدي من قوة وشجاعة لكي أقوم بالواجب، وأدركت ساعتها أني استعنت بروح جمال القوية الشجاعة لأول مرة بعد موته، ولكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة.

فلترقِد بعز يا صديقي. ستظل أسطورتك حية أبد الآبدين.

اقرأ المزيد: