Algerian demonstrators take to the streets in the capital Algiers to protest against the government, in Algeria, Friday, Nov. 1, 2019. (AP Photo/Toufik Doudou)
Jamal Khashoggi fellow

هذا هو أول عمود يكتبه عز الدين فشير باعتباره الزميل الجديد لبرنامج جمال خاشقجي التابع لصحيفة الواشنطن بوست

تُذكرنا الصور القوية للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية الآتية من بيروت وبغداد والجزائر العاصمة بأنّ السلطوية العربية أصبحت غير مرحب بها. ولكن في نظر الكثيرين، فإنها لم تفقد فائدتها بعد. لقد وصل ضعف الدول العربية إلى نقطة أصبحت فيها السلطوية هي الغراء الوحيد الذي يبقيها متماسكة. والتحدي الذي يواجه الديمقراطيين العرب هو الانتقال من مجرد الدعوة إلى الديمقراطية إلى بناء مسارات واقعية للتغيير الديمقراطي.

السلطوية العربية ليست استبدادًا تقليديًا. لقد تحولت إلى استراتيجية معقدة للتعامل مع ضعف الدولة. لم تكن الدول العربية قوية منذ البداية: فهي لم تكن قادرة أبدًا على توفير أطر سياسية تعزز التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، أو إدارة النزاعات الاجتماعية والسياسية، أو حماية مكانتها في العالم.

اليوم تجلس هذه الدول فوق خليط من الفقر المتنامي والفساد المستشري والمؤسسات الجوفاء وأجهزة الأمن الوحشية والاستقطاب الاجتماعي الشديد والصراعات المدنية والإقليمية. وكلما كبرت هذه التحديات، كلما ضعف نمو هذه الدول، مما يزيد من تفاقم هذه التحديات، وهكذا.

تبنت الأنظمة العربية القمع من أجل كبت النزاعات الاجتماعية والسياسية التي لم تتمكن من حلها وإسكات المطالب التي لم تتمكن من مواجهتها. وقعت المؤسسات السياسية الضعيفة في بلدان مثل مصر في قبضة الأجهزة الأمنية التي تولت السيطرة على الأمور السياسية من النزاعات الطائفية إلى النزاعات العمالية. وتدريجيًا، أصبح أمن النظام هو الشغل الشاغل لهذه الأجهزة، مما أدى إلى تآكل احترام سيادة القانون وشيوع انتهاكات حقوق الإنسان. كما أدى ذلك إلى مزيد من تفريغ مؤسسات الدولة، التي لا يبقيها متماسكة الآن سوى خوف يدار بشكل منهجي.

كذلك تعتمد السلطوية العربية على المحسوبية المنظمة والفساد. فمن خلال الاعتماد على الانقسامات القبلية أو العائلية أو الطائفية أو العرقية، حافظ الحكام على شبكات محسوبية وتبادل مصالح مع حلفاء محليين أقوياء. أصبحت الدولة العربية المانحة النهائية، حيث يدير قادة المجموعات الاجتماعية الرئيسية توزيع العطايا الآتية من أعلى وتأمين الولاء من أسفل. وكما تُظهر احتجاجات لبنان ضد هذه الأنماط بالذات، فإن النتيجة النهائية هي إضعاف المعايير والقواعد والعمليات المؤسسية.

ونظرًا للأهمية الحيوية لإدارة العطايا والرشاوى، تجذرت “رأسمالية المقربين”، حيث احتل الحكام العرب موقعًا مسيطرًا على الاقتصاد ودفعوا بقوى السوق إلى درجات مختلفة من التبعية. فبدلاً من القواعد واللوائح المعمول بها التي يمكن أن تصمد أمام تغيير الأنظمة، تعمل الأسواق العربية بشكل أساسي من خلال نظام المحسوبية. ويعد احتجاز ولي العهد السعودي لرجال الأعمال في فندق ريتز كارلتون بالرياض – متهمًا إياهم بالفساد وعدم الإفراج عنهم إلا بعد دفع مبالغ كبيرة – مثالًا صارخًا على قدرة الحكام على سحق رأس المال حين يريدون.

وأخيرًا، وللتعويض عن عدم قدرتهم على حل النزاع المستمر منذ قرن بين الإسلاميين والعلمانيين، قمعت الدول العربية الطرفين واستوعبتهما، وجعلت من نفسها حكمًا بينهم والبوابة التي تحمي المجتمع – والعالم – من الفوضى التي من شأنها أن تأتي إن تعرضت هذه البوابة للانهيار. بالطبع، لم تخلق الأنظمة الاستبدادية التطرف الإسلامي من أجل تخويفنا، لكنها حرصت على أن تصبح الحاجز الوحيد بيننا وبين عنفه. إن توظيف “الدولة الإسلامية” من قبل النظام السوري يقدم مثالًا جيدًا على هذه الديناميكية.

يركز الديمقراطيون العرب على مقاومة القمع، مع القليل من الاهتمام بما قد يحدث بعد ذلك. لكن الأحداث منذ عام 2011 أظهرت أنه يمكن إسقاط الحكام الاستبداديين فجأة. ومن ثم يصبح السؤال هو: كيف يمكن لحكومة ما بعد الاستبداد أن تدير مؤسسات مجوفة تعمل أساسًا من خلال المحسوبية والخوف، وأن تدير أجهزة أمنية تستشري فيها ثقافة عدم احترام حقوق الإنسان؟ كيف ستتحكم بالاقتصاد في غياب الأطر التنظيمية التي تعمل خارج نظام المحسوبية؟ كيف ستدير الاستقطاب الاجتماعي الشديد، وقبل كل شيء المطالب المشروعة لعشرات الملايين من الفقراء؟

سيكون أمامها أحد أمرين: إما قمعٌ هذه المطالب والصراعات باسم الديمقراطية – ومن ثم الانزلاق عمليًا إلى شكل جديد من الاستبداد، أو السماح لها بالوصول إلى السطح في غياب أطر فعالة لإدارتها، ومن ثم الانزلاق إلى عدم الاستقرار والانهيار المحتمل.

في مصر، تعلمنا هذا الدرس بشكل مباشر. في عام 2011، عندما هتفنا “الشعب يريد إسقاط النظام” في ميدان التحرير، اعتقدنا أنه بإمكاننا وضع إطار سريع لإدارة هذه الصراعات. كنا سعداء وعطوفين ومتسامحين. لكن الصراعات الاجتماعية والسياسية أثبتت أنها أكثر صلابة من التعاطف، ولم نتمكن من الحفاظ على تجربتنا الديمقراطية.

فكرة أن الحكام الاستبداديين وأجهزتهم القمعية هي الحاجز الرئيسية أمام الديمقراطية العربية تشكل تبسيط مضلل. إن الطرق التي سار فيها العراقيون والليبيون والمصريون منذ سقوط حكامهم الديكتاتوريين القدامى يجب أن تضع حدًا لهذا الوهم. فالسلطوية تلعب أدوارًا اجتماعية واقتصادية وسياسية، ومن ثم يتطلب استبدالها بالحكم الديمقراطي أكثر بكثير من مجرد إسقاط الأنظمة.

إن مطالبة مليون متظاهر بالحكم الرشيد لن تأتي به. من أجل الانتقال للحكم الرشيد، يتعين على القادة الديمقراطيين العرب البدء في بناء شراكات قوية فيما بينهم والتوصل إلى اتفاقات مع المستفيدين من السلطوية. كما يجب عليهم العثور على وسائل واقعية لإحياء مؤسسات الدولة الجوفاء. هذه مهام شاقة – لكنها تمثل الفرق بين المناداة بمطالب حالمة وبين العمل على تشكيل الواقع.