An undated photo of Mustafa Kassem provided by his family via the Freedom Initiative.

محمد سلطان مدافع عن حقوق الإنسان ومؤسس “مبادرة الحرية”.

تلقيت هذا الأسبوع خبرًا لطالما تهيبت سماعه، وفاة مصطفى قاسم. مصطفى مواطن أميركي أمضى 77 شهرًا في السجون المصرية سيئة السمعة؛ تحت ظروف أدت إلى تدهور حالته الصحية المتردية أصلًا. لقد كان صديقي، رفيق الزنزانة حينما كنت معتقلًا ظلمًا في مصر. كان مصطفى أول سجين عملت منظمتي على الإفراج عنه.

في المرة الأولى التي قابلت بها مصطفى، في طرة؛ لم أستطع منع نفسي من التساؤل: لم قد ينتهي الحال بشخص مثله هنا! أبهرني لطف مصطفى في الحديث ورقة روحه، جسده الصغير وابتسامته العريضة. مازحني قائلًا: ”لقد كبرت على إثارة المتاعب؛ على عكسك!“ قال إنه اعتقل أثناء مشاهدته فض اعتصام ما، وكانت جريمته الوحيدة هي حيازة جواز سفره الأميركي لحظة اعتقاله؛ وأصبح رهن أهواء نظام عبدالفتاح السيسي.

أمضينا وقتنا سويًا في المعتقل في مقارنة ما لاحظناه من أوضاع السجون المختلفة وأقسام الشرطة، والاختلافات بين تجربتينا مع وسائل التعذيب وحفلات ”التشريفات“ التي يقيمها الضباط والحراس. مضى يحدثني كذلك عن عائلته، عن حبه لنيويورك، وشغفه بريادة الأعمال.

لا يخفى على أحد أن مصر تحت إدارة السيسي أصبحت ثقبًا أسود يبتلع حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون. منذ بدأ السيسي حملته المروعة غير المسبوقة على المعارضة في 2013، قتل آلاف من المصريين خارج إطار القانون بينما عشرات الآلاف معتقلون ظلمًا ومتهمون باتهامات سياسية ملفقة؛ من ضمنهم نشطاء وصحفيون ومواطنون أميركيون. يقدر عدد المعتقلين السياسيين اليوم بـ60 ألف معتقل يعيشون في ظروف قاهرة غير آدمية، توفي منهم 677 معتقلًا نتيجة الإهمال الطبي، من ضمنهم الرئيس المصري المعزول.

لا تختلف قصة مصطفى عن باقي القصص؛ حوكم مع أكثر من 700 شخص آخر واتهم بالتظاهر ضد الحكومة في محاكمة عامة عبثية. حوكم مصطفى وفقًا لقانون التظاهر غير العقلاني المستخدم من قبل السيسي ليحكم الخناق على المجتمع المدني والمعارضة. في سبتمبر/أيلول 2018، حكمت المحكمة – المسيسة بشدة – حكمًا جائرًا على مئات المعتقلين، وحكم على مصطفى يومها بـ 15 عامًا من السجن المشدد. اعترض حينها على الحكم من خلال إضراب مفتوح عن الطعام.

صدى مأساة موت مصطفى سيتردد ترددًا واسعًا وعميقًا في حيوات أصدقائه وعائلته. هؤلاء المحظوظون بمعرفته وحبه، لن ينسوا قوته التي احتفظ بها رغم صحته المتردية. إلى جانب هزيمته للسرطان، فمصطفى عانى أيضًا من السكري وأمراض قلبية وقصور بالغدة الدرقية؛ إلى أن قضى نحبه أخيرًا داخل المعتقل.

في رسائل مهربة كتبت بخط اليد وسلمت للرئيس ترامب ونائب الرئيس بنس عن طريق ممثل مصفى بالكونغرس النائب بيتر كينغ (جمهوري-ولاية نيويورك)، قال مصطفى: ”أنا، حرفيًا، أحتضر!“ وفي رسالة أخرى قال: “أنا أريد لأطفالي أن يكونوا على يقين أني قاومت بكل ما أملك لأجل حريتي. وأريدهم أن يعرفوا أن أميركا عظيمة لأنها ستحارب بضراوة من أجل مواطنيها!“

أحيانًا، أجدني عاجزٌ عن معرفة أي الأمرين أسوأ: أن أعيش سجينًا في زنزانة خائفًا من مداهمة الحراس في أي وقت من نهار أو ليل، أو أن استقبل مكالمة هاتفية تنعى صديق أو قريب توفي في السجن بعدما نلت حريتي. من حصل على حريته منا مازال سجينًا بالخارج، ما زال أسيرًا لصدمته إثر القمع الذي واجهناه وما زلنا نواجهه! لعل الفاجعة الأكبر في موت مصطفى كانت فشل حكومة الولايات المتحدة في تأمين الإفراج عنه. على الرغم من دعم الولايات المتحدة لجيش مصر بـ1.4 مليار دولار سنويًا، والعلاقات القوية بين البلدين – ترامب قد أشار للسيسي بكونه ”ديكتاتوره المفضل“، عبارة نشير لها منذ 2017- جميع المطالب العامة والخاصة للإفراج عن مصطفى قوبلت بالتجاهل التام. كيف يمكن لمواطن أميركي أن يموت في سجن مصري رغم دفاع مسؤولين أمريكيين على أعلى مستوى عن عدالة قضيته! على إدارة ترامب أن تقوم الآن بالرد على هذا السؤال المحوري.

عندما تفشل الولايات المتحدة في التدخل الفعال من أجل الأميركيين المعتقلين ظلمًا حول العالم، فإنها ترسل رسالة لبقية المنسيين في السجون، أن حياتهم غير ذات قيمة بالمعادلة السياسية. كل معتقل مضرب عن الطعام غير ذي حيلة أمام حاجته للحرية؛ كما كان مصطفى عند وفاته وكما كنت أنا على حافة الموت مرات عديدة. إنهم يستحقون أفضل من موتهم في سجون وحشية فقط لتجرؤهم على الحلم بمستقبل أفضل.

تعلن وفاة مصطفى أيضًا عن مستوى الحصانة التي تتمتع بها الحكومات القمعية اليوم، كما تعلن عن تواطئ إدارة ترامب مع هذا الظلم! هذه الفاجعة تمثل نقطة سوداء في سجل ترامب المفخم حول ”إعادة الأميريكيين إلى الوطن“. للحكومة الأمريكية نفوذ تتقاعس باستمرار عن استخدامه مع السيسي؛ مما يقدم له ولنظامه المتوحش حماية من أية مساءلة.

على ذلك أن يتغير. على الولايات المتحدة أن تقوم وبشكل عاجل باستخدام نفوذها للمطالبة بالإفراج عن جميع المعتقلين ظلمًا، ومن ضمنهم الأميركيين، والمطالبة بدخول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى السجون المصرية ورقابتهم عليها. نحن بحاجة ماسة الآن لأن نقدم الأفضل.