يبدو أنّ فصلًا جديدًا مظلمًا قد بدأ في معركة “لعبة العروش” السعودية التي تهدف إلى السيطرة بينما يعدّ محمد بن سلمان تهم فساد وعدم ولاء ضد سلفه ومنافسه السابق، ولي العهد الأسبق محمد بن نايف – الذي كان في الماضي أحد أبطال الحرب الأميركية ضد الإرهاب الإسلامي.

بدأت مواجهة العائلة المالكة بالتصاعد منذ خلع محمد بن سلمان لسلفه في يونيو/حزيران 2017. تكمن الجذور في عمق التنافس المرير بين أنصار الملك الراحل عبد الله الذي ساند محمد بن نايف وبين الحاشية التي أحاطت بخليفته الملك سلمان وابنه المندفع محمد عندما تولى الملك الجديد السلطة بعد وفاة عبد الله في يناير/كانون الثاني 2015.

تقول مصادر سعودية وأميركية إنّ لجنة مكافحة الفساد التابعة لمحمد بن سلمان على وشك الانتهاء من تحقيق مفصّل في مزاعم مفادها أنّ محمد بن نايف حوّل بشكل غير شرعي مليارات الريالات السعودية من خلال شبكة من الشركات الوهمية والحسابات الخاصة عندما كان يدير برامج سعودية لمكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية. عمل محمد بن نايف هناك كمساعد رئيس لوالده الأمير نايف، ثم خلفه كوزير منذ عام 2012 وحتى 2017. قال أحد شركاء محمد بن نايف إنّ المحققين السعوديين طلبوا منه سداد 15 مليار دولار يزعمون أنه سرقها، على الرغم من أنه ليس من الواضح كيفية وصولهم إلى هذا الرقم. طلب الشريك عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية المسألة، مثله مثل بعض الأشخاص الآخرين الذين تم الاتصال بهم للحصول على معلومات من أجل هذه المقالة.

يقول أنصار محمد بن نايف إنّ هذه الاتهامات كاذبة ومتناقضة مع المرسوم الملكي لعام 2007 الصادر عن الملك عبد الله الذي منح الإذن لكافة أنشطته، ونصّ على تقرير سنوي مفصّل بشأن إنفاقه. الوثائق السعودية الداخلية المقدمة من أحد شركاء محمد بن نايف والتي تمت مراجعتها من قبل صحيفة البوست تدعم ادعاء محمد بن نايف بأنّ أنشطته المالية السرية تمت الموافقة عليها من قبل الملك الراحل على الأقل في الخطوط العريضة.

وأكد مرسوم سري صدر في 27 ديسمبر/كانون الأول 2007 يحمل توقيع عبد الله المميز أن “مساعد وزير الداخلية [محمد بن نايف] سيستمر في … إدارة هذا الصندوق ونفقاته بطرق تدعم جهود مكافحة الإرهاب”. كما يأذن المرسوم لمحمد بن نايف أن ينشئ “الوسائل المناسبة في القطاع الخاص” لإخفاء الأنشطة الحساسة. ينص المرسوم على أن محمد بن نايف “سيطلعنا في نهاية كل سنة مالية” على إنفاق الصندوق السري.

يلخص تقرير من عام 2013 قدمه محمد بن نايف إلى عبد الله – والذي راجعته الصحيفة – الإنفاق السري لمكافحة الإرهاب في تلك السنة المالية. تطلب الوثيقة المؤرخة في 20 مايو/أيار 2013 الموافقة على إنفاق 5 مليارات ريال سعودي (حوالي 1.3 مليار دولار) على ثمانية مشروعات، منها 378 مليون ريال لـ”المطارات السرية”، و1.6 مليار ريال لـ”خدمات النقل الجوي”، و1.5 مليار ريال مقابل “موارد” أمنية مثل الأسلحة. (قد يشير مرجع “المطارات السرية” إلى مشروع كشفت عنه هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في فبراير/شباط 2013 لبناء قاعدة طائرات بدون طيار في المملكة قبلها عامين.)

لقد أعيد تقرير محمد بن نايف إليه بعد ثلاثة أيام برسالة تغطية من رئيس الديوان الملكي خالد التويجري. بجانب طلب الموافقة على الخمسة مليارات ريال، قالت مذكرة مكتوبة بخط اليد باللغة العربية تبدو أنها من الملك عبد الله: “لا مانع”، بحسب وثيقة راجعتها الصحيفة.

قال شريك محمد بن نايف إن هذه الوثائق السعودية يحتفظ بها محامو محمد بن نايف في بريطانيا وسويسرا وسيتم توفيرها في أي إجراء قانوني دولي قد يتم اتخاذه.

لم يرد مسؤول سعودي عمل بشكل وثيق مع محمد بن سلمان في التحقيق بشأن محمد بن نايف على رسالتين نصيتين تطلبان التعليق. كما لم يرد متحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن على طلب للتعليق.

يقول مسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي أيه” إنهم كانوا على علم بسيطرة محمد بن نايف على مثل هذه الحسابات السرية لمكافحة الإرهاب في ذلك الوقت، واستخدموها للمساعدة في تمويل المشاريع الأميركية-السعودية المشتركة.

أوضح المدير السابق للـ”سي آي أيه” جون برينان والذي عمل بشكل وثيق مع محمد بن نايف لأكثر من عقد في مقابلة: “تم تزويد وزارة الداخلية بميزانية حتى يتمكنوا من بناء القدرات وتجنيد الأفراد وتطوير اتصالات أجهزة المخابرات لاختراق القاعدة. … كان رأي عبد الله أنه يجب أن يستثمر في الأنشطة التي يقودها محمد بن نايف. كان محمد بن نايف أحد المفضلين لديه.”

تحدث برينان عن الادعاء الذي ادعاه إليّ السعوديون المقربون من محمد بن سلمان بأنّ محمد بن نايف اختلس أموالًا من حسابات استخباراتية. قال برينان: “على مدار تفاعلي مع محمد بن نايف، لم يكن شخصًا اعتقدتُ تورطه في نشاط فاسد أو كان يسرق المال.”

جورج تينيت، الذي كان مدير “سي آي أيه” عندما سيطر محمد بن نايف على حقيبة مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية في عام 2003، تحدث بشكل إيجابي للغاية عن محمد بن نايف في مذكراته بعنوان “في مركز العاصفة: سنواتي في السي آي أيه” التي نشرت في عام 2007. كتب: “لقد كان شخصًا طورنا فيه قدرًا كبيرًا من الثقة والاحترام. إنّ العديد من النجاحات في تفتيت القاعدة في المملكة هي نتيجة جهوده الشجاعة.”

***

توضح قصة محمد بن نايف كما رواها أصدقاؤه وشركاؤه تحول المملكة البطيء نحو التحديث، حتى عندما كانت تمزقها الغيرة والعداوات العائلية. نشأ الأمير البالغ من العمر الآن 60 عامًا في السياسة الحاكمة للمملكة. كان لديه وجه لطيف يرتدي النظارة، وكان ابنًا ثانيًا مطيعًا. كان والده نايف، نجل المؤسس الأسطوري الملك عبد العزيز بن سعود، وزيرًا للداخلية لمدة 37 عامًا منذ عام 1975 إلى 2012.

جسّد نايف الحرس السعودي القديم. كان محافظًا ومنعزلًا ومراعيًا للمؤسسة الدينية الوهابية في المملكة. تحت قيادته، كانت وزارة الداخلية بيروقراطية بطيئة بدون أدوات خدمة أمنية حديثة. أصبحت نقاط الضعف هذه خطيرة عندما بدأ المجاهدون السعوديون بالعودة إلى الوطن من أفغانستان في التسعينيات وانجرفوا نحو تنظيم القاعدة.

كانت الوزارة في حاجة إلى تغيير، وعبد الله، الذي كان آنذاك ولي العهد ولكنه كان يدير المملكة بشكل فعليّ بدلًا من الملك فهد المريض، شجع محمد بن نايف على الانضمام إلى الوزارة في عام 1999 كمساعد لوالده. كأمير شاب، عاش محمد بن نايف حياة اعتيادية بالنسبة للعائلة المالكة، حيث قام ببيع العقارات العائلية في جدة والاستفادة من المشاريع المشتركة مع الشركاء السعوديين الأثرياء. يتذكر الأصدقاء أنه كان يحب صنع المال وإنفاقه. لكن كان لديه بعض أوراق الاعتماد التي أبهرت الملك: لقد أكمل دراسته الجامعية في الولايات المتحدة، وتحدث الإنكليزية بشكل جيد وأخذ بعض دورات مكافحة الإرهاب مع مكتب التحقيقات الفدرالي وسكوتلاند يارد.

كان أول مشروع لمحمد بن نايف في عام 1999 هو إصلاح أكاديمية الشرطة السعودية، وهو مركز تدريب متطور تم تجنيد مرشحيه غالبًا من خلال المحسوبية. قام بتجديد الأكاديمية بمساعدة خريج موهوب يدعى سعد الجبري، وهو ضابط سابق في الشرطة السعودية ذهب لاستلام شهادة الدكتوراه في علوم الحاسب الآلي من جامعة إدنبره. بدأ ذلك شراكة استمرت حتى تم خلع محمد بن نايف كولي عهد.

بعد تحديث الأكاديمية، قام محمد بن نايف بتكليف الجبري بإعادة تنظيم مكتب الشؤون العسكرية بالوزارة، وهو مركز آخر للمحسوبية وضعف الأداء. واجه محمد بن نايف أول اختبار حقيقي له في التعامل مع انتفاضة عام 2000 في نجران، وهي مدينة على طول الحدود الجنوبية للمملكة مع اليمن التي بها عدد كبير من المسلمين الإسماعيليين. بعد اعتقال رجل دين إسماعيلي بتهمة السحر، انشق العشرات من الضباط العسكريين، وتعرض مقر إمارة المنطقة للهجوم. أراد الحرس القديم في الوزارة شنّ حملة صارمة، لكن محمد بن نايف تفاوض وتوصل إلى تسوية سلمية. أصبح هذا النمط التصالحي علامة تجارية له.

يكلف الإصلاح أموالًا، وتستهلك ميزانية وزارة الداخلية إلى حد كبير تكاليف الموظفين. لذا فقد منح عبد الله السلطة في حوالي عام 2003 لاستخدام 30 في المائة من إيرادات الوزارة من الغرامات وجوازات السفر والإقامة وغيرها من الإيرادات لتمويل الأنشطة الخاصة. أخبرني شريك محمد بن نايف أن هذه كانت بداية الترتيبات المالية الخاصة التي أدّت إلى التحقيق الحالي.

سارت المؤسسة الأمنية السعودية نائمة تجاه هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة. كان نايف مقتنعًا بأنّ الهجمات كانت مؤامرة تهدف إلى تشويه سمعة المملكة. استمر موقف الإنكار السعودي هذا حتى مايو/أيار 2003 عندما هاجم مفجرو القاعدة مجمعًا سكنيًا أجنبيًا في الرياض، فقتلوا 35 شخصًا، بينهم 10 أميركيين. هرع تينيت إلى الرياض لعقد اجتماع عاجل لتحذير عبد الله من أن العائلة المالكة تواجه تهديدًا خطيرًا.

استذكر تينيت المشهد في مقابلة. اجتمع معه وعبد الله نايف وابنه محمد، والأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي في واشنطن حينها والذي عمل كمترجم. كتب تينيت لعبد الله أن مؤامرات القاعدة “كانت موجهة ضد عائلتك وقيادتك الدينية” وحثّه على “إعلان الحرب”، كما كتب في مذكراته.

رشح عبد الله قائده على الفور. وكما ذكر تينيت في المقابلة: “نظر الملك إلى محمد بن نايف وقال أمام الآخرين ستتعامل مع ملف مكافحة الإرهاب.”

***

خلال السنوات التالية، قام محمد بن نايف بتحديث جهاز الأمن التابع لوزارة الداخلية، والمعروف باسم المباحث، إلى قوة حديثة لمكافحة الإرهاب. قام بتمويل العمليات من خلال صندوقه المخصص بنسبة 30 بالمائة، لكن النفقات زادت، وبحلول عام 2006، قرر عبد الله منح محمد بن نايف المزيد من الأموال لعمليات الاستخبارات السرية، وخاصة ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، المنظمة التابعة لها في اليمن.

كان سخاء عبد الله الجديد مدفوعًا جزئيًا بعملية جريئة للقاعدة في فبراير/شباط 2006، بنت نفقًا بطول 460 قدمًا لتحرير 23 من معتقليها في اليمن، بما في ذلك زعيم هجوم عام 2000 على سفينة “يو إس إس كول”. وبحسب شريك محمد بن نايف، فقد حصل على منحة طارئة بقيمة 200 مليون ريال (53 مليون دولار) في عام 2006 لزيادة عملياته ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

كان الكثير من المال في الطريق قريبًا.

بدأ المرسوم الملكي السري لعبد الله في ديسمبر/كانون الأول 2007 بالتأكيد على أنه وافق على جميع نفقات مكافحة الإرهاب السابقة، بما في ذلك الراتب الخاص باليمن، بحسب الوثيقة التي راجعتها الصحيفة. كان للمرسوم ثلاث نقاط رئيسية أخرى: يمكن لـمحمد بن نايف (“مساعد الوزير”) مواصلة إنفاق ما هو مطلوب لمكافحة الإرهاب، مع تقديم تقارير سنوية إلى الملك، ويمكنه تنظيم الشركات الخاصة “حسب ما يراه مناسبًا”، وكان سيحصل على حصة أكبر من دخل رسوم الوزارة، حيث ارتفع إلى 45 بالمائة من الـ30 بالمائة السابقة.

أرسل عبدالله مرسوم عام 2007 إلى نايف، الذي لا يزال اسميًا الوزير. قام نايف بإلحاق مذكرة بخط يده لابنه. وكما استعرضت وترجمتها صحيفة البوست، فقد جاء في الملاحظة: “في الواقع، هذا دعم كبير من سيدي خادم الحرمين الشريفين”. وقد تم منح محمد بن نايف ما يعادل ترخيصًا لكتابة الشيكات على حساب الخزانة السعودية.

لإدارة العمليات بشكل آمن، قرر محمد بن نايف إنشاء شبكة لما تسميه الـ”سي آي أيه” بـ”المملوكات”، وهي شركات خاصة اسمية تُستخدم لإجراء العمليات السرية. وأخبر مساعديه في الوزارة في وثيقة راجعتها البوست أنه خلال إنشاء شركات التغطية هذه، كان “يحاكي المعيار الذي تتبعه وكالات الأمن الدولية” ويريد إنشاء شركات يمكنها توفير تقنية آمنة وتسمح بنقل المسلحين من دون “إحراج” لشركة الخطوط الجوية السعودية.

طلب محمد بن نايف من اثنين من كبار مساعديه الإشراف على الشبكة: الجبري، رئيس موظفيه، وعبد الله الحماد، المسؤول المالي الأول في الوزارة. لتعويضهم عن إدارة النظام، وعدهما بـ5 في المائة من الربح السنوي من الشركات المملوكة، وفقًا لوثيقة راجعتها الصحيفة. مثل هذه الترتيبات محظورة من قبل الاستخبارات الغربية، لكن المملكة تعمل بقواعد مختلفة لمكافأة الولاء.

وقد تم إدارة شبكة الشركات الأمامية من خلال شركة “سكب” السعودية القابضة ومقرها الرياض. كلمة “السكب” باللغة العربية تعني حصانًا رشيقًا جدًا لدرجة أنه يتحرك مثل الماء الجاري، وكان شعار الشركة عبارة عن حصان منمق مرسوم بالذهب. حددت عقود التأسيس الخاصة بسكب، المؤرخة في 9 مايو/أيار 2008، اثنين من رجال الأعمال السعوديين كمديرَين اسمييَن للشركة ووعدهم بـ1 في المائة من الربح السنوي.

أدار سكب أربع عمليات رئيسية مقرها الرئيسي في الرياض: “ألفا ستار” لخدمات الطيران تنقل أفراد المخابرات وأسلحتهم. شركة بناء ذات شراكة مع شركة تركية معروفة قامت ببناء البنية التحتية للمباحث وعملياتها، بما في ذلك مبنى المقر الجديد. قدمت “شركة المراقبة الأمنية” المركبات المدرعة والخدمات الأمنية الأخرى. و”شركة التحكم التقني” عملت مع الشركات الأميركية والسعودية لتوفير التشفير وفك التشفير واستخراج البيانات والخدمات الرقمية الأخرى.

طمأن محمد بن نايف الملك بتقديم حسابه لعام 2013: “أريد أن أبلغ جلالتك أن جميع المعلومات موجودة في أضيق الدوائر … وكل خطوة يتم توثيقها وتداولها بسرية عالية.”

***

بالنسبة للحكومة الأميركية التي كانت تخشى قبل بضع سنوات فقط أن تسيطر القاعدة على السعودية، فإنّ تحركات محمد بن نايف الممولة جيدًا ضد المتطرفين هبة من السماء.

في 30 مارس/آذار 2009، تباهت برقية من سفارة الولايات المتحدة في الرياض إلى وكالات الاستخبارات والأمن القومي في واشنطن بأنّ وزارة الداخلية كانت “الكلب الأكبر … الوزارة السعودية الأكبر والأكثر نفوذًا على الصعيد المحلي”. وقالت البرقية إنّ محمد بن نايف “يحظى بتقدير كبير” من قبل عبد الله و”يحظى باحترام كبير من قبل الشعب السعودي لعمله الفعّال في هزيمة القاعدة في المملكة وإدارة برنامج فعال لإزالة التطرف الذي حصل على دعم محلي وقبلي واسع. … والنتيجة هي أنّ العمليات في مصلحة حكومة الولايات المتحدة يمكن أن تتم بطريقة فعالة وتعاونية للغاية داخل المملكة”.

أوضح أحد كبار المسؤولين الأميركيين السابقين المتمركزين في الرياض: “فهم الجميع في الحكومة الأميركية أن محمد بن نايف كان لديه أوسع سلطة إنفاق ممنوحة من قبل الملك.” وقال إنه من خلال هذه القناة، قام السعوديون بتمويل العديد من العمليات الأميركية-السعودية المشتركة لمكافحة الإرهاب.

وقع الإنفاق من خلال خدمات الاتصال الأجنبية هذه خارج نطاق إشراف الكونغرس أو السلطة التنفيذية الاعتيادي. لكن المسؤولين السابقين يصرون على عدم إساءة استخدام الأموال. قال أحدهم إنّ القاعدة الإرشادية كانت بسيطة: “لا يمكنك أن تطلب من مسؤول الاتصال القيام بشيء لا يمكنك القيام به بنفسك.” وبخلاف ذلك، كانت بمثابة مكافأة استخباراتية، أي ما يعادل المال المجاني.

كانت ثمار هذه الشراكة الأميركية-السعودية واضحة في عام 2010 عندما اكتشف السعوديون مؤامرة من قبل تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العربية لنقل المتفجرات البلاستيكية المخبأة داخل خراطيش طابعات الحاسب الآلي التي سيتم شحنها على متن طائرات الشحن الدولية. ووفقًا لمسؤولين أميركيين وسعوديين سابقين، فإن هذه العملية التي تضم عملاء تم تجنيدهم من خلال صناديق العمليات الخاصة لمحمد بن نايف في اليمن قد أنقذت العديد من الأرواح.

***

كان لمحمد بن نايف سلطة كتابة الشيكات على حساب البنك المركزي السعودي. كان أول شيك في الوثائق التي راجعتها البوست بقيمة 300 مليون ريال، كتب في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2008. وتم إيداعه في حساب مرقم لصالح محمد بن نايف، كما قال شريكه، مع ملاحظة كتب فيها “مساعد وزير الداخلية لشؤون الإشراف على العمليات الأمنية العاجلة الخاصة”. ثم أدار سكب الأموال في الحساب لتوفير واجهة تجارية.

أعطى المال قوة فريدة من نوعها إلى محمد بن نايف. شرح شريك محمد بن نايف قائلًا: “إنّ وجود صندوق سري باسمك هو الكأس المقدسة في السعودية.”

تم تكليف محمد بن نايف مع هذا الصندوق السري بالمهمة الحساسة المتمثلة في توزيع النقد على الأمراء والأعيان الآخرين. لطالما كانت هذه المدفوعات ممارسة شائعة في السعودية، وهي في الواقع طريقة لتعزيز الأمن من خلال مشاركة بعض سخاء العائلة المالكة. وقال شريك محمد بن نايف إنّ كبار الأمراء مثل سلمان عندما كان أميرًا للرياض ونايف عندما كان وزيرًا للداخلية تلقوا رواتب شهرية بملايين الريالات.

وضع عبد الله ثقة استثنائية في محمد بن نايف. تعمق هذا الالتزام بعد محاولة اغتيال كادت أن تقتل محمد بن نايف في 27 أغسطس/آب 2009. زار أحد عناصر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يدعى عبد الله العسيري قصر محمد بن نايف في جدة بحجة الاستسلام شخصيًا لبرنامج إعادة تأهيل الإرهابيين التابع للوزارة. فجر عبوة ناسفة مخبأة في مؤخرته، وأصيب محمد بن نايف في الانفجار. هرع عبد الله لرؤيته في المستشفى.

يبدو أن دعم عبد الله لرئيس مكافحة الإرهاب لديه لم يتذبذب أبدًا. خلف محمد بن نايف والده وزيرًا للداخلية في عام 2012، وحتى بعد وفاة عبد الله وخلافة سلمان، فقد تم تعيين محمد بن نايف وليًا للعهد في أبريل/نيسان 2015 – مما يشير إلى أنه سيصبح في نهاية المطاف ملكًا. لكن محمد بن سلمان عُيِّن نائبًا لولي العهد في نفس الوقت، وهي إشارة شؤم لمحمد بن نايف.

يقول شركاؤه السعوديون والأميركيون إنّ محمد بن نايف فهم أن منصبه المميز في عهد عبد الله قد انتهى، وفي منتصف عام 2015، بدأ في تصفية شبكته السرية من الشركات عن طريق نقل الملكية إلى صندوق الاستثمار العام السعودي، صندوق الثروة السيادية للمملكة.

أشار خطاب مكتوب بخط يد محمد بن نايف بتاريخ 1 أغسطس/آب 2015، إلى التقييمات الحالية لصندوق الاستثمار العام، وزيادة القيمة منذ أموال محمد بن نايف الأولية: بلغ صافي الربح لـ”ألفا ستار” بعد خصم جميع القروض ومكافآت مجلس الإدارة والمصروفات 4.5 مليار ريال. اكتسبت “شركة التحكم التقني” 462 مليون ريال. اكتسبت “شركة المراقبة الأمنية| مليار ريال. قال شريك محمد بن نايف إنّ إجمالي مكاسب رأس المال للشركات الثلاث بلغ 5.9 مليار ريال (1.6 مليار دولار).

ومع ذلك، فإن خطى بلاط محمد بن سلمان الملكي كانت ترتفع. تم طرد الجبري، كبير مساعدي محمد بن نايف، من قبل سلمان في 10 سبتمبر/أيلول 2015، بعد أن التقى في الخارج مع مدير “سي آي أيه” آنذاك برينان. في رسالة بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2015، وجّه محمد بن نايف الجبري، الذي أصبح الآن مستشارًا خاصًا، بالمضي قدمًا في “إعادة هيكلة الشركات القائمة … وتصفية الفائدة”.

على الرغم من أن محمد بن نايف وعد الجبري والحماد بخمسة في المائة من أي أرباح تعويضًا عن دورهما الإداري، فقد عدّل محمد بن نايف ذلك إلى 5 في المائة من نصف الأرباح. وقد تم دفع هذه المدفوعات في أواخر عام 2015. الجبري، الذي يعيش الآن في المنفى في تورونتو، رفض التعليق. الحماد، الذي قيل من قبل شريك محمد بن نايف أنه في السجن في السعودية، لم يتسن الاتصال به للتعليق.

لم يكن محمد بن نايف منفقًا كبيرًا مقارنة ببعض الأمراء الكبار، وفقًا للأميركيين الذين عرفوه جيدًا. لكنه زاد ثروته الخاصة بشكل ملحوظ خلال خدمته الحكومية كرئيس لمكافحة الإرهاب. ربما فعل كل شيء بمباركة الملك، كما تقترح الوثائق. لكن مشكلة الفساد الأكبر هي قضية رئيسية للمملكة. على الرغم من أن محمد بن سلمان هو منفق فخم بحد ذاته، إلا أن حملته على الأمراء الأغنياء ورجال الأعمال هي أحد الأسباب التي تجعله يحظى بشعبية في وطنه، على الرغم من حكمه الاستبدادي القاسي. الأمر المقلق بشأن اعتقاله ومقاضاته المحتملة لمحمد بن نايف هو أنه ربما يستخدم قضية الفساد لتدمير منافس.

***

للفصول الأخيرة من قصة محمد بن نايف حتمية محزنة: ببساطة، لم يكن ندًّا لمحمد بن سلمان في قدرته على حماية أصدقائه ومعاقبة أعدائه. يقول أصدقاء محمد بن نايف الأميركيين والسعوديين إنه ربما كان محدودًا بسبب مشاكل تعاطي المخدرات التي بدأت مع مسكنات الألم التي أخذها بعد إصابته في محاولة اغتيال 2009.

وجد محمد بن سلمان الطموح والمجازف حليفًا جديدًا قويًا عندما أصبح دونالد ترامب رئيسًا عام 2017. فر الجبري من المملكة في مايو/أيار 2017. وبعد مرور شهر، تم استدعاء محمد بن نايف من قبل نائبه الاسمي محمد بن سلمان، وطلب منه الاستقالة. وقال شريك محمد بن نايف إنه طلب الاتصال بأميرين بارزين، محمد بن فهد وخالد بن سلطان. أخبروه أن المسألة قد انتهت، وكانوا قد عقدوا صفقاتهم مع منافسه ولم يكن أمام محمد بن نايف أي خيار سوى التنحي كولي عهد.

خضع محمد بن نايف وأقسم الولاء لمحمد بن سلمان. أعلن مرسوم ملكي صدر في 21 يونيو/حزيران 2017، أنه تم عزله من ولاية العهد واستبداله بنائبه. بعض أصدقائه وحلفائه السابقين، بما في ذلك كبار الضباط في المباحث، غيروا ولاءاتهم بالفعل وأصبحوا من أنصار محمد بن سلمان. وأُلقي القبض على آخرين وتعرضوا للتعذيب، حسبما ورد. اعتقالات فندق “ريتز كارلتون” لرجال أعمال وأمراء سعوديين بارزين في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 أخافت بقية المعارضين.

تم تشديد الضغط على محمد بن نايف. وقد مُنعت زوجة وبنت ولي العهد السابق من السفر إلى الخارج. واستولت السلطات على 21 مليار ريال (5.6 مليار دولار) من أصول عائلة محمد بن نايف، بما في ذلك 17.8 مليار ريال (4.7 مليار دولار) من الحيازات الشخصية و3.1 مليار ريال (826 مليون دولار) متعلقة بسكب.

في 6 مارس/آذار 2020، تم اعتقال محمد بن نايف مع عمه الأمير أحمد. وقال مسؤول في البلاط الملكي لكبار الأمراء إن الاثنين كانا يخططان لانقلاب وسيحاكمان بتهمة الخيانة.

كتب ويليام شكسبير في مسرحية “هنري الرابع، الجزء الثاني”: “يكمن القلق في الرأس الذي يرتدي تاجًا.” ينطبق هذا المبدأ على أولياء العهد، في الماضي والحاضر.

إنّ الصعود المبهر والسقوط المأساوي لمحمد بن نايف مأساة شكسبيرية حديثة، تقع أحداثها في مملكة صحراوية. مهما كانت إخفاقات محمد بن نايف، فإن ضباط الاستخبارات الأميركية الذين عملوا معه يعتبرونه بطلًا ساعد في إنقاذ بلاده عندما كانت مهددة بشكل مميت. يتذكرون شعار المباحث، جهاز الأمن الحديث الذي بذل محمد بن نايف الكثير لإنشائه: “وطن لا نحميه، لا نستحق العيش فيه.”